حقائق حول الصراع (٤)

في زمن كثر فيه الحديث عن “العدو الأول”، وتشعبت فيه قوائم الاصطفاف، يأتي هذا المقال ليرسم خريطة عداوة مختلفة تماماً. إنه لا يقدم لك عدواً واحداً، بل يفضح لنا “تحالف أعداء” غريب… فما الذي يجمعهم؟ ولماذا قرنهم القرآن في آية واحدة؟ الجواب سيجعلك تعيد تعريف “العدو” من جديد.”

هل عدونا واحد .. وهل صفنا واحد..؟

الجدل الحاد الذي استمر شهورًا ، ويمكن أن يستمر دهورًا  _ إن ظللنا على حالنا _ يدور حول سؤال : (من هو العدو الأول والأَوْلى بالتصدي والاصطفاف)..؟

وكأننا أهل السُّنة _ انتماءً أو ادعاءً _ جاهزون لهذا التصدي وذاك الالتفاف ..!!

ومع ذلك فالجواب المستفاد من السُّنة بعد الكتاب؛ أننا ليس لنا عدو واحد؛ رغم أننا لا يجمعنا صف واحد، لكوننا لا نجتمع على منهاج واحد ومشروع واحد .. !

الآية التي تعدد الأعداء: (الله أعلم بأعدائكم)

أعداءُ المسلمين كثيرون، ولذلك قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا} [النساء:45]..فالعدو ليس واحدًا ..بل أعداء.. وأعداء..

وأعداؤنا الكثيرون الذين عند الله علمهم؛ قد ذكرهم – سبحانه – وأعلمنا بهم، وبيَّن لنا من يأتون على رأسهم، فقال سبحانه في تكملة الآية السابقة: {.. منَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ }  ..إلى قوله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}[النساء:46-47]..

اليهود في مقدمة الأعداء، والنصارى يلونهم

فكفار بني إسرائيل من يهـود أو نصارى يأتون في مقدمة الأعداء ، ولكن اليهود هم الأشد في العداء.

لكن اللافت للنظر؛ أن يأتي الكلام عن الشرك وأهله وسط الكلام عن عداوة اليهود في هذه الآية، بالرغم من أن انحراف اليهـود لم يكن من مدخل الشرك كالنصارى؛ بل من باب الجحود والعناد وإنكار الرسالة، ولذلك جاء هذا الاقتران _ والله أعلم _ للدلالة على أن عداوة المغضوب عليهم لا تضاهيها إلا عداوة المشركين، وبخاصة إذا  انضم عُدوانهم إلى عداوتهم .

كل من عادى أولياء الله فهو عدو للمؤمنين

وكل من عادى أولياء الله فهو عدو لله ، كما قال الله : {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [ البقرة :98]..وكل من كان عدوًا  لله فهو عدو للمؤمنين، كما قال العزيز الحكيم: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا} [ البقرة:101].

الاقتران القرآني: اليهود والمشركون أشد الناس عداوة

وقد تكرر في القرآن الاقتران بين الذين كفروا من أهل الكتاب وبين المشركين في ثلاثة مواضع، وفي نصٍ قرآني أصرح وأوضح؛ جاء اقتران عداوة اليهـود بعداوة المشركين في قول الله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [ المائدة:82]..

التحذير من التقليل من شأن عداوة المشركين والقبوريين

فكل من اتصف بالشرك _ وثنيًا كان أو قبوريًا _ فإنه يشارك كفار أهل الكتاب في العداوة، وكما أن من يشك في عداوة اليهود للمؤمنين فإن مشكوك في إيمانه، فكذلك كل من يقلل من شأن عداوة المشركين فإنه في ضلال مبين..

المنافقون: شركاء المشركين في مصائب المسلمين

وكما اقترن في القرآن ذكر كفار أهل الكتاب بالمشركين؛ فقد ارتبط أيضا بالمنافقين، كما جاء في قول الله تعالى : {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا}..[الحشر:11].

فالمنافقون في الغالب الأعم.. هم  شركاء المشركين في كل مصائب البأساء أو الضراء التي تلحق بالمسلمين..

ملخص الأعداء: كفار أهل الكتاب، وثنيون، قبوريون، ملحدون

والحاصل أن كفار أهل الكتاب (عدوٌ).. والمشركين من الوثنيين (عدوُ) والقبوريين الغلاة (عدوٌ) والملحدين الماديين (عدوٌ).. ولكن (العدو) كامل العداوة هم من قال الله تعالى فيهم : {هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [ المنافقون:4].

والمعنى _ كما قال المفسرون _ أن كمال حقيقة العداء في المنافقين النفاق الأكبر ، لأن أعدى الأعادي هو العدو المتظاهر بالموالاة، بينما هو يبطن لأهل الحق كامل المعاداة.

الجامع بين الأعداء الظاهرين والخفيين: التربص بالمؤمنين

والجامع بين الأعداء الظاهرين والأعداء المستخفين هو التربص بالمؤمنين.. ولأن تلك هي حقيقة الصراع عبر القرون والسنين، فلا عجب أن كان جزاء هذا الاجتماع على التربص بالمؤمنين، أن يحمع الله هؤلاء الأعداء في قاع الجحيم، كما قال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ..}[ النساء:140-141].

كفى الله المؤمنين شر المشركين والمنافقين،  وطهر بلاد المسلمين من رجزهم وركسهم أجمعين .

المصدر

صفحة د.عبدالعزيز كامل، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

حقائق حول الصراع (١)

حقائق حول الصراع (٢)

حقائق حول الصراع (3)

التعليقات معطلة