لقَدْ جَاءَتْ حَرْبُ الإِبَادَةِ في غَزَّةَ لِتَكْشِفَ الحَقِيقَةَ بِكُلِّ وُضُوحٍ؛ فَسَقَطَ القَانُونُ الدَّوْلِيُّ وَمَحَاكِمُهُ، وَتَمَّ تَحْيِيدُ المُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا بِقَرَارٍ رَسْمِيٍّ مِنْ أَكْبَرِ قُوَّةٍ دَوْلِيَّةٍ زَعَمَتْ حِمَايَةَ الحُقُوقِ طَوَالَ العُقُودِ السَّابِقَة.
العُدْوَانُ الصِّهْيُونِيُّ الأَمْرِيكِيُّ عَلَى الشَّرْقِ الأَوْسَطِ بَيْنَ الفَهْمِ الصَّحِيحِ وَالوَاجِبِ الصَّرِيح
َقَدْ تَعَرَّضَتْ شُعُوبُنَا العَرَبِيَّةُ وَالإِسْلَامِيَّةُ لِأَكْبَرِ عَمَلِيَّةِ خِدَاعٍ في التَّارِيخِ؛ فَقَدْ زَعَمَ الغَرْبُ بِقِيَادَةِ أَمْرِيكَا أَنَّهُ جَاءَ بِمَشْرُوعٍ حَضَارِيٍّ يَقُومُ عَلَى الحُرِّيَّاتِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّاتِ، وَحِفْظِ حُقُوقِ الإِنْسَانِ وَالحَيَوَانِ! وَقَامُوا بِوَضْعِ القَانُونِ الدَّوْلِيِّ، وَالقَانُونِ الدَّوْلِيِّ الإِنْسَانِيِّ إِمْعَاناً في عَمَلِيَّةِ التَّضْلِيلِ، ثُمَّ أَسَّسُوا مَجْمُوعَةً مِنَ المُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ في ذَاتِ السِّيَاق.
وَقَدْ جَاءَتْ حَرْبُ الإِبَادَةِ في غَزَّةَ لِتَكْشِفَ الحَقِيقَةَ بِكُلِّ وُضُوحٍ؛ فَسَقَطَ القَانُونُ الدَّوْلِيُّ وَمَحَاكِمُهُ، وَتَمَّ تَحْيِيدُ المُنَظَّمَاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَالتَّضْيِيقُ عَلَيْهَا بِقَرَارٍ رَسْمِيٍّ مِنْ أَكْبَرِ قُوَّةٍ دَوْلِيَّةٍ زَعَمَتْ حِمَايَةَ الحُقُوقِ طَوَالَ العُقُودِ السَّابِقَة.
الحَقِيقَةُ الثَّابِتَة
الحَقِيقَةُ هِيَ مَا نَرَى جُزْءاً مِنْهَا اليَوْم؛ فَقَدِ انْتَهَى زَمَانُ المَسَاحِيقِ التَّجْمِيلِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَالكِيَانَاتِ الغَرْبِيَّة. وَالَّذِي يَقْرَأُ التَّارِيخَ لَا يَجِدُ في فَهْمِ الوَاقِعِ مُشْكِلَة؛ فَنَحْنُ أَمَامَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ: أَطْمَاعٌ مَجْنُونَةٌ لِلْغَرْبِ في الشَّرْق، تُرِيدُ نَهْبَ الثَّرَوَاتِ، وَتُدَمِّرُ الكِيَانَاتِ، وَتَعْمَلُ عَلَى تَقْوِيضِ كُلِّ مُقَوِّمَاتِ النُّهُوضِ وَالحَضَارَةِ، فَضْلاً عَنِ المُحَارَبَةِ الدَّائِمَةِ لِلإِسْلَام.
فَهَذِهِ هِيَ الحَقِيقَةُ الثَّابِتَة، وَالَّذِي يَتَغَيَّرُ هِيَ الأَدَوَاتُ وَالوَسَائِلُ وَالأَشْكَالُ لِهَذَا الصِّرَاع؛ فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ تَرَامْبُ ثَرَوَاتِ الأُمَّةِ عَبْرَ اتِّفَاقِيَّاتٍ وَهْمِيَّةٍ أَوْ عَبْرَ حَمَلَاتٍ عَسْكَرِيَّة، وَإِمَّا أَنْ نَسْتَسْلِمَ عَبْرَ تَطْبِيعٍ وَاتِّفَاقِيَّاتٍ أَوْ عَبْرَ الصَّوَارِيخِ وَالبَوَارِج، وَإِمَّا أَنْ نَنْتَخِبَ أَدَوَاتِهِمُ الاسْتِعْمَارِيَّة كَيْ يَعْتَبِرُوا الانْتِخَابَ عَمَلِيَّةً دِيمُقْرَاطِيَّة، أَوْ يَسْتَعْمِلُوا كُلَّ إِمْكَانِيَّاتِهِمْ لِتَدْفِيعِنَا ثَمَنَ اخْتِيَارِنَا… وَهَكَذَا دَوَالِيكَ في كُلِّ المَجَالَات.
أَهْدَافُ هَذَا العُدْوَانِ الدَّائِم
1️⃣ اسْتِكْمَالُ نَهْبِ ثَرَوَاتِ الأُمَّةِ وَالمِنْطَقَةِ عُمُوماً؛ فَبَعْدَ أَنْ أَخَذَ تَرَامْبُ مَا لَا يَقِلُّ عَنْ (5) تَرِيلْيُونِ دُولَارٍ مِنَ المِنْطَقَةِ عَبْرَ الصَّفَقَاتِ الجَبْرِيَّة، يَأْتِي اليَوْمَ بِمُدَمِّرَاتِهِ لِيَسْتَكْمِلَ عَمَلِيَّةَ النَّهْبِ بِالغَصْبِ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ الطَّاعَة؛ لَا سِيَّمَا أَنَّ إِيرَانَ تَمْتَلِكُ ثَانِيَ أَكْبَرِ مَخْزُونٍ مِنَ الغَازِ، وَثَالِثَ أَكْبَرِ مَخْزُونٍ مِنَ النِّفْطِ في العَالَم.
2️⃣ فَرْضُ مَزِيدٍ مِنَ التَّقْسِيمِ لِلْمِنْطَقَة، وَإِثَارَةُ الفَوْضَى، وَإِشْعَالُ الحُرُوبِ الدَّاخِلِيَّة، وَاسْتِنْزَافُ القُوَى الحَيَّةِ في الأُمَّة، وَضَرْبُ وَحْدَةِ المُسْلِمِين.
3️⃣ تَدْمِيرُ مُقَوِّمَاتِ النُّهُوضِ في الأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّة؛ الَّتِي بَدَأَتْ مِنْ غَزَّةَ إِلَى لُبْنَان، وَاليَوْمَ يَأْتِي الدَّوْرُ عَلَى إِيرَان. فَإِنِ انْكَسَرَتْ إِيرَانُ سَيَأْتِي الدَّوْرُ عَلَى سُورِيَا وَمِصْرَ وَتُرْكِيَا وَبَاكِسْتَان، وَلَنْ تَكُونَ بَقِيَّةُ الدُّوَلِ «المُعْتَدِلَةِ» بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ الحَمْلَةِ الاسْتِعْمَارِيَّةِ الجَدِيدَة.
4️⃣ إِقَامَةُ «إِسْرَائِيلَ الكُبْرَى» مِنَ النِّيلِ إِلَى الفُرَات؛ وَهُوَ مَا لَا يُخْفِيهِ العَدُوُّ الصِّهْيُونِيُّ، وَيَحْظَى بِدَعْمٍ أَمْرِيكِيٍّ صَرِيح. وَيَكُونُ مِنْ بَابِ أَوْلَى هَدْمُ المَسْجِدِ الأَقْصَى، وَإِقَامَةُ الهَيْكَلِ المَزْعُومِ عَلَى أَنْقَاضِه.
الخُلَاصَة
الثَّرَوَاتُ تُقْتَسَمُ بَيْنَ أَمْرِيكَا وَالكِيَانِ الصِّهْيُونِيّ، وَيَفُوزُ العَدُوُّ بِتَحْقِيقِ حُلْمِهِ التَّارِيخِيِّ بِإِقَامَةِ «إِسْرَائِيلَ الكُبْرَى»، وَتَخْضَعُ لَهُ أَنْظِمَةُ المِنْطَقَةِ وَشُعُوبُهَا جَمِيعاً، وَيُتْرَكُ بَعْضُ الفُتَاتِ لِمَنْ أَذْعَنَ وَأَعْطَى وَلَاءَ الطَّاعَة.
تِلْكَ أَهْدَافُهُمْ وَهِيَ لَيْسَتْ خَافِيَة، وَهُمْ يُسَابِقُونَ الزَّمَنَ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِهَا، زَاعِمِينَ أَنَّ لَدَيْهِمْ وَعْداً إِلَهِيًّا بِذَلِك، وَأَنَّهُمْ شَعْبُ اللهِ المُخْتَار، وَأَنَّ بَقِيَّةَ البَشَرِ هُمْ خَدَمٌ لِلْجِنْسِ اليَهُودِيّ.
وَالحَقِيقَةُ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى اللهِ تَعَالَى وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَام، وَافْتَرَوْا عَلَى اللهِ الكَذِبَ كَمَا أَخْبَرَنَا اللهُ في القُرْآنِ الكَرِيم؛ وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالقَتْلِ وَالنَّهْب، وَقَدْ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَقَالُوا: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل}!
وَأَحْسِبُ أَنَّ هَذَا الوَهْمَ وَهَذَا العُدْوَانَ سَيَكُونُ سَبَباً في انْكِسَارِهِمْ وَزَوَالِهِمْ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى؛ وَلَكِنَّهُ مَرْهُونٌ بِمَدَى جَاهَزِيَّتِنَا لِقِيَادَةِ المَشْرُوعِ الحَضَارِيّ.
الوَاجِبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ في هَذِهِ المَرْحَلَة
1️⃣ نَشْرُ الوَعْيِ وَتَحْقِيقُ الفَهْمِ لِطَبِيعَةِ الصِّرَاعِ الدَّائِر، وَبَيَانُ أَهْدَافِ هَذَا العُدْوَانِ الدَّائِم، وَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ المُسْتَوَيَاتِ الرَّسْمِيَّةِ وَالنُّخْبَوِيَّةِ وَالشَّعْبِيَّة.
2️⃣ نَبْذُ كُلِّ الخِلَافَاتِ المَذْهَبِيَّةِ وَالعِرْقِيَّةِ وَالقَوْمِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَمُعَالَجَةُ أَسْبَابِهَا بِمَسْؤُولِيَّةٍ وَحَضَارِيَّة.
3️⃣ تَعْزِيزُ كُلِّ عَوَامِلِ القُوَّةِ وَمُقَوِّمَاتِهَا البَشَرِيَّةِ وَالمَادِّيَّة، وَعَدَمُ التَّفْرِيطِ في مَقْدُرَاتِنَا وَمَوَارِدِنَا وَثَرَوَاتِنَا.
4️⃣ بَيَانُ طَبِيعَةِ الإِسْلَامِ وَحَضَارِيَّةِ مَشْرُوعِهِ الَّذِي جَاءَ لِإِنْقَاذِ العَالَمِ مِنْ أَطْمَاعِ الذِّئَابِ البَشَرِيَّة، كَمَا يَجِبُ إِظْهَارُ النَّمَاذِجِ الحَضَارِيَّةِ في التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ في مُقَابِلِ فَضَائِحِ «الحَضَارَةِ» الغَرْبِيَّة.
5️⃣ مُوَاصَلَةُ العَمَلِ الدَّعَوِيِّ وَالوَعْظِيِّ وَالعِلْمِيّ، وَالإِعْلَاءُ مِنْ شَأْنِ المَشَارِيعِ القُرْآنِيَّةِ جَمِيعِهَا، وَتَعْلِيمُ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ؛ فَالإِنْسَانُ عَدُوُّ مَا يَجْهَل، وَقَدْ أَخَذَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِيثَاقَ الكِتَابِ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَه.
6️⃣ تَكْثِيفُ الدُّعَاءِ وَالضَّرَاعَةِ وَالقُنُوتِ في الصَّلَوَات؛ بِأَنْ يُوَحِّدَ اللهُ الأُمَّة، وَيَكْسِرَ شَوْكَةَ المُعْتَدِين، وَيُقَرِّبَ النَّصْرَ لِعِبَادِهِ المُسْتَضْعَفِين.
7️⃣ اسْتِمْرَارُ التَّذْكِيرِ بِوَاجِبِ الشَّرَائِحِ كَافَّةٍ في خِدْمَةِ أَبْنَاءِ شَعْبِنَا في هَذِهِ المَرْحَلَةِ العَصِيبَة؛ مِنْ حِمَايَتِهِمْ مِنْ أَطْمَاعِ المُحْتَكِرِين، وَتَقْدِيمِ الوَاجِبِ الوَطَنِيِّ في مَجَالَاتِ الصِّحَّةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالإِغَاثَةِ وَغَيْرِهَا حَسَبَ الإِمْكَانَاتِ المُتَاحَة. ﴿يَا حَارِثَة، عَرَفْتَ فَالْزَمْ﴾.
خَاتِمَة
نُدْرِكُ أَنَّ الغَرْبَ لَيْسُوا سَوَاء، لَكِنَّ القِيَادَةَ عِنْدَهُمُ اليَوْمَ لِأَهْلِ الشَّرّ.
وَإِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِين، وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُون، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون. وَلَكِنْ مِنْ سُنَّتِهِ الإِمْلَاءُ لِلظَّالِمِين، وَبَعْدَهَا تَكُونُ العَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين.
الوَعْدُ الإِلَهِيُّ لِلْمُؤْمِنِين
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: 9]
﴿….وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 35]
المصدر
صفحة د. عبد الهادي سعيد الأغا، على منصة ميتا.

