تصميم صور المنشورات 3

هل حقًا اقتصر الإسلام على تقديم “مبادئ عامة وقيم كلية” في مجال السياسة والحكم، تاركًا للأمة حرية ابتكار نظامها الخاص في كل عصر؟ أم أن الشريعة رسمت أسسًا دستورية مقننة تتجاوز مجرد الوعظ الأخلاقي إلى أحكام ملزمة وتفاصيل حاكمة؟

المبادئ العامة وأسس النظام السياسي

في المقال السابق [ هل جاء الإسلام بنظام للحكم؟ (1-2) ]، قمنا بتفنيد نظرية ‘الفراغ الدستوري’ التي يروّج لها بعض دعاة ‘التجديد’، وبيّنا الفرق الجوهري بين الأمور الدنيوية الحقيقية (كتأبير النخل والآليات التقنية) وبين الأحكام الشرعية الثابتة التي نظم بها الإسلام شؤون الحكم والسياسة، كما كشفنا التلبيس في توظيف تقسيمات الإمام القرافي وغيره. وبعد أن ثبت – بفضل الله – أن الإسلام لم يترك الأمر كله للعقل البشري في هذا الميدان؛ ننتقل الآن إلى السؤال الأهم: فإذا كان للنظام السياسي الإسلامي أصول ثابتة، فما طبيعة هذه الأصول؟ هل هي مجرد ‘مبادئ عامة وقيم كلية’ كما يزعمون، أم أنها تتجاوز ذلك إلى أحكام وأسس مقننة؟ هذا ما سنكشف عنه في هذا المقال الثاني.

إشكالية “المبادئ العامة والقيم الكلية” بين المعنى الأول والثاني

وإذا عدنا لقولهم إنّ الإسلام لم يأت في باب السياسة إلا بمبادئ عامّة ثم ترك الأمة تضع في ضوء هذه المبادئ نظامها المناسب لكل عصر من عصورها، وجدنا أنفسنا مضطرين إلى طرح جملة من الأسئلة الجادة، أولها وأهمها: ما المقصود بهذه المبادئ العامة والقيم الكلية، أهي تلك التي يسلم بها الخلق أجمعون على اختلاف مللهم ومذاهبهم؟ أهي القيم الإنسانية العامّة كالعدل والحرية وما شابه ذلك؟ أم تقصدون بها القواعد والأسس المقَوْنَنَةِ التي تميز النظام السياسي الإسلامي وتحدد معالمه الرئيسية، ولكل جواب من الجوابين رَدٌّ يَرُدُّ الدعوى من جذرها على مدعيها، فإن كانوا يقصدون بالمبادئ والقيم بالمعنى الأول، وهذا وارد بقوة، بل هو الظاهر في أقوالهم؛ فهذا القصد والمعنى يثير جملة من الإشكاليات، فهذه المبادئ لها عند كل قوم تفسير، ولها عند كل أمة من الناس قوانين تنظمها، فليس الجديد في موافقتك لكافة الخلق في الإقرار بمبدأ العدل ولا بمبدأ الحرية ولا حتى بجميع مبادئ حقوق الإنسان، وإنّما الجديد المفيد يتمثل في القوانين والأحكام المفسرة والمنظمة لهذ المبادئ، ومحالٌ أن يقال إنّ الإسلام مثلا أقر مبدأ العدل، ثم ترك تنظيمه لما يهتدي إليه الخلق من قوانين وأحكام تنظم هذا المبدأ وتحققه في واقع الناس؛ فهذا خرف يتعارض مع طبيعة الإسلام، وهذا مما يعرف بالبداهة ولا يحتاج إلى تطويل بذكر الشاهد أو الدليل.

بل إنّك واجدٌ بلا أدنى مشقة في فروع الشريعة المتفق عليها أحكاما ثابتة راسخة وردت في سياق العدل مرفوضةً في ثقافات أخرى جملة وتفصيلا، ومثلها في ميدان الحريات والحقوق؛ فكيف السبيل إلى تطبيق المبادئ والقيم؟ فإن قلنا بما ينتجه البشر في تجاربهم وبما يبدعونه في تشريعاتهم فقد خرجنا على الشريعة جملة وتفصيلا، وإن قلنا بأنّه لا سبيل إلى ذلك إلا بما ورد في الشريعة فقد بطل الادعاء من أصله ولزم القول الذي لا محيد عنه وهو أنّ الإسلام لم يقف فقط عند حدود المبادئ العامة والقيم الكلية.

القيم الحاكمة والقيم الإنسانية العامة

ثم إنّ نظرة هؤلاء إلى القيم نظرة جزئية مختلة؛ لأنّهم يهملون القيم الحاكمة التي تتغير حتما من أمّة لأخرى، والتي تتدخل بحسم للبت في مسألة الهوية العامّة للأمة، والتي يكون لها دور فاعل في توجيه القيم الإنسانية العامّة، فإنّك إن نظرت في منظومة القيم لأمّة من الأمم وجدت القيم العامة كالعدل والحريات والحقوق محكومة بقيم نوعية تختص بها هذه الأمة، فمثلا قيم الحداثة ومبادئها قيم عليا حاكمة في الغرب، كقيمة سيادة الإنسان على الكون والحياة، وهي القيمة المقابلة في الأمة الإسلامية بقيمة الاستخلاف، تجد أنّ هذه القيمة حاكمة وفاصلة؛ بما يجعلها تؤثر في تفسير وفهم وتطبيق سائر المبادئ، وهكذا.

مقاصد الشريعة لا تغني عن الأحكام التفصيلية

وإن كانوا يقصدون بالمبادئ العامّة مقاصد الشريعة الكلية، كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض، قلنا إنّ هذه المقاصد العليا لا سبيل إلى تحقيقها إلا بالأحكام الشرعية المفصلة في شريعة الله تعالى؛ فالعباد مخاطبون بفروع الشريعة ومُتَعبَّدُون بها لا بمقاصدها، وما عرف العلماء المقاصد إلا باستقراء هذه الفروع، ثم إنّه لا يقول بإمكان تحقيق هذه المقاصد بأيّ قوانين ينتجها البشر ولو خالفت أحكام الشريعة إلا منابذٌ للشرع قد مرق من الدين كما يمرق السهم من الرميّة.

الأسس الدستورية المقوننة – أول السلم التشريعي

أمّا إن قصدوا بذلك الأسس والقواعد الحكمية والدستورية المقوننة فقد وضعوا أيدينا وأيديهم على أول السُّلَّم التشريعي للنظام السياسي الإسلاميّ؛ لأنّ هذا النوع من المبادئ يتسم بالسمات الحكمية القانونية القواعدية، فمثلا: عندما نقول إنّ للديمقراطية مبادئَ وأُسُسًا تقوم عليها، وذكرنا من ذلك هذين الأصلين القانونيين: السيادة للشعب، والأمة مصدر السلطات؛ فقد دخلنا عمليا في تفصيلات النظام الحاكم، ووضعنا أيدينا على أول السلم التشريعي في النظام الديمقراطيّ، وكذلك إن قلنا: إنّ من أهم مباديء وأسس النظام السياسي الإسلاميّ: السيادة للشرع والسلطان للأمة؛ فقد دخلنا عمليا في تفصيلات النظام الحاكم، ووضعنا أيدينا على أول السلم التشريعيّ للنظام الإسلاميّ.

أجهزة النظام السياسي الإسلامي كأي نظام ديمقراطي

لقد وضع الإسلام أُسُسًا عامّة من هذا القبيل، ووضع آليات تشريعية لتحقيق كل أساس من هذه الأسس، وإذا كان النظام الديمقراطيّ قد حدد أجهزة تقوم على هذه الأسس كالسلطة التشريعية والسلطة القضاية والسلطة التنفيذية، فإنّ الإسلام حدد كذلك أجهزة وجدت في الشريعة كما وجدت في الواقع التاريخي للأمة، كمؤسسة الخلافة ومؤسسة المجتهدين ومؤسسة أهل الحل والعقد ومؤسسة بيت المال ومؤسسات القضاء والمظالم والحسبة؛ فلماذا يقال عن الإسلام إنّه لم يأت إلا بمبادئ عامّة وقيم كلية ثم لا يقال مثل ذلك عن الديمقراطية؟!

الفجوات التشريعية المقصودة ودائرتا الاجتهاد (الاجتهاد الشرعي والآليات التقنية)

صحيحٌ أنّ الإسلام لم يأت بقوالب جامدة، ولم يتوسع في التفاصيل بما يغلق أبواب الاجتهاد والتجديد، لم يفعل الإسلام هذا لا في باب السياسة ولا في غيره من الأبواب، وما وقع في بعض فقرات التاريخ من قولبة وجمود لا يسأل عنه الإسلام ولا تتحمل تبعته كل أجيال المسلمين، بل إنّه لَمِنَ الْمُسَلَّمِ به لدى كافّة العلماء أنّ الشريعة الإسلامية قد تركت فجوات واسعة وأفسحت كثيرا في مساحات العفو التشريعيّ، وذلك في الميادين التي تتجدد بتجدد مرافق الحياة، كالميدان السياسي، لكنّ هذه المساحات وهذه الفجوات والفراغات جاءت في سياق نظام؛ لذلك كانت مقصودة لا منسية ولا مهملة، كانت مقصودة لإحداث المرونة اللازمة لتحقيق عموم الشريعة وبقائها على مدى الزمن وامتداده.

وتتجلى هذه المساحات المتروكة للاجتهاد البشريّ في دائرتين منظمتين مؤطرتين، الدائرة الأولى دائرة الأمور الاجتهادية، أو موارد الاجتهاد الفرعيّ، وهي تلك التي لم يرد فيها نصّ، وتحتاج إلى اجتهاد شرعيّ مؤطر بالشرع، بأدوات الاجتهاد الشرعيّ المرتبطة بالمصدر الرئيس وهو الكتاب والسنة، كالقياس والاستحسان والمصلحة وغير ذلك، وأمّا الدائرة الثانية فهي دائرة الأدوات والآليات والأمور الفنية والتقنية، فهذه متروكة للتجربة الإنسانية وللخبرة البشرية، وليس من شرطها أن يرد بها شرع ولو بالاجتهاد، وإنّما شرطها الذي يؤطرها شرعا هو ألا تكون مصادمة للشرع وأن تكون محققة للمصلحة.

النظام السياسي ابن الزمان والمكان – حقّ في إطار حقّ

أمّا القول بأنّ النظام السياسي ابن الزمان المكان والظرف، وأنّ المسلم مطالب ألا يعيش خارج الزمان والمكان والظرف الذي هو فيه، وأنّ عليه أن يحاول أن يقيم ما استطاعه من الدين تحت سقف هذا النظام، كما يقول – مثلا – الدكتور جاسم سلطان وغيره؛ فهذا حقّ وما فيه شك ولا ريب، صحيح أنّ نظام الحكم ابن الزمان والمكان والظرف التاريخي، وأنّه يولد من رحم المرحلة التي يمر بها، وصحيح كذلك أنّ المسلم مطالب بأن يتعامل مع الوضع القائم ويحاول أن يؤثر فيه بدينه وعقيدته ما استطاع، ولا يكلفه الله بما لا يستطاع، ولا يصح أن يعيش المسلم خارج الواقع المعاش، بل عليه أن يحياه محاولا تغييره ما استطاع إلى ذلك سبيلا، لكنّ هذا لا يعني أنّ الإسلام لم يأت بنظام للحكم، ولا يعني أنّ المسلمين غير مطالبين إلا بالنزول على حكم الزمان والمكان والظرف نزولا كاملا، فإذا كان النظام السياسي ابن الزمان والمكان والظرف؛ فإنّ الأمة الإسلامية مطالبة بتغيير الظروف والأحوال في كل زمان ومكان بما يجعله مهيئًا لإقامة دين الله كله بما في ذلك النظام السياسي، والأمة مطالبة بذلك بالتدرج، وعبر مراحل، وليس على وجه العسف وركوب الصعب، فإنّ الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، فمشكله من يقول هذا القول أنّه يسحب حكم الرخصة على حال العزيمة، ولا يفرق بين حال الاضطرار وحال الاختيار، ولا ينظر إلى المشروع الإسلاميّ الواجب التحقيق إلا من الزاوية السياسية وحسب، فإنّ مشروع الأمة الواجب التحقيق يشتمل فيما يشتمل على رفع حال الأمة في جوانبها كافّة حتى تكون مهيأة لوضع نظامها الخاص بها في كل الميادين وليس فقط في ميدان السياسة، أليس هذا من فكر النهضة؟ أم النهضة تبعية للآخر؟!

حال الاختيار وحال الاضطرار – قاعدة الفرق بينهما

يجب علينا أن نفرق بين حال الاختيار وحال الاضطرار، فأمّا في حال القدرة والاختيار؛ فالواجب هو إقامة النظام الإسلاميّ بكافّة أحكامه، وأمّا في حال الضعف والاضطرار؛ فالواجب إعمال قواعد الضرورة، مثل: اختيار أهون الشرين، وارتكاب أخفّ الضررين، والميسور لا يسقط بالمعسور، وغير ذلك، ويجب على الأمة أن تضع مشروعها للتمكين والنهوض والانبعاث الحضاريّ بحيث يكون لديها التصور الأصليّ للنظم الإسلامية في الميادين السياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها، ولديها كذلك تصور للمراحل التي سوف تسلكها في طريق التمكين وطبيعة كل مرحلة، والقواعد الكلية التي تضبط السير فيها.

التجديد الحقيقي ليس في نفي النظام بل في صياغته المعاصرة

أمّا شكل وصورة النظام السياسيّ الإسلاميّ الذي طُبّق في عهد الراشدين، والذي يجب علينا العمل به حال القدرة والاختيار، والسعي نحوه والاقتراب منه قدر الإمكان في حال الاقتهار والاضطرار، فهذا ما يجب علينا أن نجتهد في استخراجه وإقراره لا في طمسه وإنكاره، كما يجب علينا أن نجتهد في صياغته في قوالب معاصرة؛ مستثمرين الخاصية العبقرية في هذا النظام، وهي خاصية المرونة التي اكتسبها من ترك مساحات الآليات والأدوات للاجتهاد البشريّ، هذا هو التجديد، أمّا أن نبادر بالقول بعدم وجود هذا النظام فهذا ليس بتجديد ولا توليد وإنّما هو في حقيقته وجوم وجمود وتصرف بليد.

إهداء إلى القارئ – النموذج المقترح للنظام السياسي الإسلامي

وفي الختام أحبُّ أن أهدي القرّاء النموذج الذي رسمته للنظام السياسي الإسلامي، والذي يجمع بين التأصيل الشرعي والتفصيل المعاصر، في كتابي (النظام السياسي الإسلامي ومؤهلات التفوق)، والمطبوع بمكتبة الأصول العلمية بإسطنبول، وكتابي: (النظرية العامّة لنظام الحكم في الإسلام)، والمطبوع بدار اليسر في مصر، وهو متوفر على الإنترنت على مواقع المكتبات الإليكترونية مثل مكتبة نور وغيرها، ونسأل الله القبول والتوفيق والسداد، (سُبْحانَ ‌رَبِّكَ ‌رَبِّ ‌الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) [الصافات: 180-182]..

المصدر

صفحة د. عطية عدلان، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

هل جاء الإسلام بنظام للحكم؟ (1-2)

التعليقات معطلة