لم يكن حفل مغني الراب كانييه ويست في إسطنبول مجرد ليلة غنائية عابرة، بل كشف عن جرح ثقافي عميق حين ترددت عبارة ‘أنا إله’ على ألسنة 118 ألف شاب في بلد كان يوماً قبلة الإسلام. فمن المسؤول؟ الدولة التي تفرج، أم الدعاة الذين ناموا، أم الحرية التي فقدت بوصلتها؟
“أنا إله” يتردد على ألسنة 118 ألف شاب تركي – ماذا بقي للإسلام؟
منذ أيامٍ، وتحت هذا العنوان: “الرئاسة التركية تشن هجوماً حاداً على حفل (كانييه ويست) في إسطنبول!” نُشر هذا الخبر: “شنّ كبير مستشاري الرئيس التركي، (أوكتاي سارال)، هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على الحفل الغنائي الضخم الذي أحياه مغني الراب العالمي (كانييه ويست) في إسطنبول، وسط حضور قياسي تجاوز 118 ألف شخص، ورفض سارال في بيان رسمي تصنيف الحفل كحدث ترفيهي أو موسيقي عاديٍّ، مؤكداً أن العرض تضمن رموزاً قاتمة وخطابات صادمة تتعارض تماماً مع المعتقدات الدينية والقيم المجتمعية والحضارية للدولة التركية، وأعرب مستشار الرئاسة عن قلقه البالغ إزاء ترديد عشرات الآلاف من الشباب الحاضرين بحماس لعبارة “أنا إله” خلف المغني العالمي، واصفاً المشهد بالمظاهرة العالمية الخطيرة التي تستدعي دراسة تحليلية جادة من الجهات المعنية، وفجّر سارال مفاجأة من العيار الثقيل بملف المنظمين؛ حيث ربط بين الحفل والمصممة الشهيرة “ميشيل لامي”، زاعماً ارتباطها المباشر بطقوس السحر والتنجيم والرموز المظلمة، مما يؤكد – حسب وصفه – أن الحفل يتجاوز حدود الموسيقى نحو حصار ثقافي يفرض الاغتراب على الشباب، ووجه كبير المستشارين نداءً عاجلاً إلى وزارة الثقافة والسياحة التركية لتوخي الحذر الشديد مستقبلاً تجاه هذه المنظمات العالمية التي تمس الجوانب الروحية للبلاد، داعياً المجتمع والتيار المحافظ للتخلي عن الصمت ومواجهة هذه الاختراقات الثقافية”.
تصريح الرئاسة التركية: كوب ماء في وجه حريق ثقافي مدمّر
أهذا يكفي؟
قد يكون هذا التصريح الذي صدر من الرئاسة التركية كافيًا ووافيًا وشافيًا، وذلك حسبما تقضي به الفلسفة السياسية للدولة وللحزب الحاكم، وهي فلسفة قائمة على منح الحرية للجميع؛ بما يضمن عدم تدخل الدولة بقراراتها للحيلولة دون استمتاع الأفراد بالحرية، وذلك في حدود احترام الدستور والقانون.
لماذا لم تمنع الدولة الحفل قبل إقامته؟ سؤال يحرق الأكباد
غير أنّه بالنظر إلى جوهر السياسة ولبِّها، وإلى روح الحرية وعقلِها؛ فإنّ هذا ليس كافيًا ولا وافيًا ولا شافيًا، بل إنّه مجرد محاولة يائسة لإطفاء حريق هائل بكوب من الماء، وما يصنع كوب من الماء في حريق شبّ واستعر وعلا منه الدخان وانتشر الشرر، إنّه لا يكفي حتى لإطفاء ظمإ واحد من الملايين من المسلمين الذي احترقت أكبادهم وهم يرون ويسمعون غناءً يهدم النظام الأخلاقيّ لبلد مسلم قاد الدنيا بالإسلام لمدة خمسة قرون أو يزيد، ألا يوجد في جعبة الدولة من التصرفات السياسية في مساحات يمكنها استثمارها – وإنّها لكثيرة – ما يمكن أن تحول به دون وقوع هذا الحدث المزلزل المخيف؟!
الفساد الأخلاقي ليس وليد ليلة.. بل تراكمات عقود والجميع نائم
يجب النظر إلى هذا الحدث على أنّه نتيجة لتراكمات سابقة أكثر من كونه سببًا لتداعيات لاحقة؛ لأنّه ليس بالإمكان علاج الرضوض التي أحدثها هذا الحدث في جسد الأمة بمجرد التحذير منه والاحتياط لعدم تكراره في المستقبل، إنّ الفساد الأخلاقي يمخر في جسد الجيل منذ زمن بعيد، ولأسباب يأتي على رأسها الموقف السياسي الذي لا يعطي بعدًا كبيرًا لهذا الخطر، وإن كان على الجانب الآخر يعزّز من بعض الأنشطة الدينية كتحفيظ القرآن وغير ذلك، لكنّ الموقف الديني الدعوي هو الذي يتحمّل العبء الأكبر؛
أين العلماء والدعاة بين التنافس الأكاديمي والنص المكتوب؟
فإنّه من الملاحظ أنّ الاتجاهات المنحرفة والعلمانية الجارفة استفادت من مساحات الحرية التي وفّرتها الدولة أكثر من الاتجاهات الدينية والدعوية والإصلاحية، فأمّا الأكاديميون الشرعيون فمشغولون في التنافس على النقاط التي تعطيهم الفرصة للترقي ولحضور عدد أكبر من المؤتمرات التي لا فائدة فيها إلا الصخب الأكاديمي، وأمّا أئمة المساجد فهم ملتزمون بالنصّ المكتوب التزام العسكريّ بالأوامر القيادية، وأمّا الجماعاتيون فأهم ما يفكرون به هو الجماعة وما حققته من مكاسب بعضها ديني وبعضها دنيوي.
ابن عقيل وابن خلدون يقرران: السياسي إما حازم أو هاوٍ
فإن نظرنا إلى الأمر من جهة السياسة فإنّ السياسة في جوهرها كما قال ابن عقيل: “ما كان من الأقوال والأفعال بحيث يكون أمر الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد”، أو كما قال ابن خلدون: “حمل الكافّة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها”، ومن هاتين العبارتين نفهم أنّ المسئول السياسي موسع عليه من جهة ومضيق عليه من جهة أخرى، فالتوسعة من جهة عدم التكليف بما لا يستطاع، والتضييق والحزم من جهة ضرورة السعي الدائم لتحقيق ما يمكن تحقيقه من المصالح المشروعة ودفع ما يمكن دفعه من المفاسد الممنوعة، وإذا أهمل الساسة جانب الأخلاق والقيم تهدم على رؤوسهم ورؤوس شعوبهم كلّ ما شيدوه من إنجازات على جميع المستويات.
يا دعاة الإسلام: إما يقظة وإما فجيعة لا تُنسى
وأمّا من جهة الدعاة فليس أمامهم اليوم إلا أحد أمرين لا ثالث لهما: اليقظة وتصحيح المسار، أو الفجيعة التي لا يتوقعونها في الجيل كله وفي الأجيال من بعده، إنّ ما حدث في بداية الأسبوع المنصرم كان بمثابة النذير الأخير، فإمّا أن يتحرك أهل الإسلام ويستعينوا بربهم وينهضوا بما يجب عليهم من الدعوة إليه، أو ينتظروا شهادة التاريخ عندما يسطر أنّ هذا الجيل من العلماء والدعاة والمصلحين استثمروا الحرية التي أتيحت لهم ولم تتح لغيرهم في تحصيل دنياهم وتضييع دينهم، وإنّنا لنظنّ بكم الخير؛ فانهضوا ..
فولتير وجون ستيوارت مل يفضحان “حرية” كانييه ويست
أمّا ما يدعونه حرية فليس بحرية، فلا توجد حرية منفلتة من قيود الأخلاق والقيم وتقاليد المجتمع وثقافة الأمة، لا توجد حتى عند كبار مفكري الحرية الكبار، هذا على سبيل المثال (فولتير) يقول في قاموسه السياسي: “بأي معنى إذاً يجب أن ينطق الإنسان بعبارة (الإنسان حرّ)؟ بالمعنى ذاته الذي ينطق به كلمات: الصحة والقوة والسعادة، فالإنسان ليس قويا دائمًا، ولا صحيحاً دائماً ولا سعيداً دائما، تجرده عاطفة قوية أو عقبة قوية من حريته ومن قدرته على الفعل، فكلمة الحرية أو الإرادة الحرة كلمة مجردة عامّة، مثل الجمال والصلاح والعدالة، لا تقرر هذه المصطلحات أن كل الناس دائماً جميلون وصالحون وعادلون، وبالمثل فهم ليسوا دائماً أحرارا”، بل إنّ جون ستيوارت مل المنظر الأكبر للحرية المنفلتة ليعترف في كتابه “الحرية”: “إنّه لمن الجليّ مع ذلك أنّ كل من يعيش في كنف المجتمع ويتمتع بحمايته مدينٌ بدَيْنٍ في نظير هذه الفائدة، وأنَّ نفس المعيشة في المجتمع تحتم على كل فرد أن ينتهج في سلوكه مع الآخرين منهجاً معيناً”.
خير أمة أخرجت للناس.. تقول لأغنية “أنا إله”: ليتنا لم نسمع
وأخيرًا فنحن أمّة مسلمة قال الله عنها: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)؛ فأين هي الخيرية إذا كانت تنظم حفلًا يشتمل على عبارات مظلمة ومعاني قاتمة وإشارات سحرية وشيطانية، وإذا كان الحضور الذي بلغ 118 ألفًا قد رددوا في نشوة خلف المغني الماجن (أنا إله)؛ فاللهم سلِّم سلِّم.
المصدر
صفحة د. عطية عدلان، على منصة ميتا.


