تصميم صور المنشورات 2 2

كيف يمكن لرئيس انقلابي، احتفى به العرب لخطابه المناهض لفرنسا، أن ينقلب فجأة على الإسلام والشريعة وأبناء بلاده الدارسين في الجامعات العربية؟ وما الذي يدفع رجلًا إلى تزييف تاريخٍ لا يمكن دحضه، واتهام العرب باسترقاق الأفارقة لمدة ألف سنة؟ وما السر وراء هذا التحول المفاجئ الذي تزامن مع استقبال سفير الكيان الصهيوني في واجادوجو؟ وهل نحن أمام مجرد أزمة عابرة، أم أمام مشروع كامل لتزوير التاريخ الإسلامي في إفريقيا، وتصوير العرب والمسلمين كمجرمين، بينما الأوروبي الأبيض ملاك، والعدو اللقيط منقذ؟ وقفةٌ مع واقع مرير يكشف عن خسارة جديدة للأمة في قلب إفريقيا.

إبراهيم تراوري.. من بطل مناهض لفرنسا إلى عدو للإسلام والعرب

هو إبراهيم تراوري، رئيس بوركينا فاسو الذي استولى على السلطة بانقلاب عسكري..وللدهشة احتفى به العرب لأنه ردّد خطابات مناهضة لفرنسا، فأصبح بالنسبة لهم بطلًا..لكن فجأة تغيّر خطابه.

وخرج يتهّم دارسي الشريعة الإسلامية من أبناء بلاده في الدول العربية بالتهمة التي نعرفها جميعًا، ودعا لمنعهم من العودة لبوركينا فاسو، والبقاء في مساجد العرب التي توجّهوا إليها.

تزييف التاريخ واتهام العرب بالعبودية

تخيّل أن الرجل يزيّف تاريخًا لا يُمكن دحضه، ويتهم العرب بالعبودية، أنّنا نحن من قمنا بتجريد الأفارقة من حريتهم..هل فعلًا العرب والمسلمين أضرّوا بوركينا فاسو؟..هل كان المسلمون همج وبرابرة مثلًا؟

الوجود الإسلامي في غرب إفريقيا.. إمبراطوريات عملاقة لا استرقاق

الوجود الإسلامي في غرب إفريقيا كان هائلًا، وأقام المسلمون إمبراطوريات عملاقة..إمبراطوية الفولاني أو ما يُعرف بخلافة صيكتو في شمال نيجيريا على يد عثمان دان فوديو..وإلى جوارها إمبراطورية التوكولور والتي شملت مساحات واسعة من السنغال ومالي وغينيا بقيادة الحاج عُمر الفوتي..ثم أسس القائد السوداني رابح فضل الله إمبراطورية عُرفت باسمه وامتدت من بحيرة تشاد إلى مناطق في الكاميرون ونيجيريا وإفريقيا الوسطى.

وبالتأكيد إمبراطورية واسولو التي شيّدها الحاج ساموري توري في عمق سيراليون وكوت ديفوار وغينيا ومالي..ولا ننسى أكبر وأضخم وأغنى إمبراطور مسلم في تاريخ إفريقيا..مانسا موسى الذي جعل من تمبكتو في مالي واحدة من أعظم مدن العالم في القرن الرابع عشر.

الإسلام في بوركينا فاسو.. دين أقلية حتى القرن العشرين

هل رأيت حجم الوجود الإسلامي الذي ساهم العرب في تشييده بإيصال رسالة الإسلام عبر التجارة؟..لو كان العرب والمسلمون كما يزعم السيد إبراهيم تراوري، لكانوا نشروا الإسلام بالقوة في بلاده التي كانت تُعرف بفولتا العُليا.

30 ألف مسلم فقط حتى نهاية القرن التاسع عشر

لكن للدهشة..في بوركينا فاسو الحالية، كان الإسلام حتى نهاية القرن التاسع عشر دين أقليّة، لا يعتنقه أكثر من 30 ألف شخص، في حين كانت الأغلبية من الوثنيين ثم المسيحيين الكاثوليك..لماذا لم ينشر العرب دينهم في بلادك بالقوة؟..لماذا لم تُجبر الإمبراطوريات الإفريقية المسلمة أهلك على اعتناق الإسلام رغم أنها كانت تحاوط الجغرافية البوركينابية من كل اتجاه؟

الإسلام انتشر في منتصف القرن العشرين دون عرب

هل يعلم الزعيم الإفريقي أن الإسلام لم ينتشر في بلاده إلا في منتصف القرن العشرين..بدون وجود عرب وبعد انهيار الممالك الإسلامية اعتنق 35% من سكان بوركينا الإسلام بحلول عام 1959..ثم ارتفعت النسبة اليوم إلى حدود 63% من السكان.

من ظلمك يا تراوري؟.. الفرنسيون لا العرب

جرائم الاستعمار الفرنسي في بوركينا فاسو

من ظلمك يا سيد تراوري كان الفرنسيون..وليس نحن..الفرنسي هو من احتل بلادك بالقوة العسكرية الغاشمة في نهاية القرن التاسع عشر..الفرنسيون هم من منعوك من تلقي التعليم ولم يتركوا لك مستشفيات للتداوي، في عز ما كان المستعمر الأبيض يسيطر على الثروة والسلطة.

سجن توماس سانكارا طفلاً بسبب تفاحة

الفرنسيون هم من منعوا توماس سانكارا الزعيم التاريخي لبوركينا من مجرد قطف ثمرة تفاح من حديقة مسّن فرنسي في واجادوجو وقاموا بسجنه وهو طفل كان يطمع فقط في تجربة مذاق ثمرة.

8 انقلابات عسكرية بدعم فرنسي

الفرنسيون هم من عيّنوا بعد الاستقلال دُمى من أمثال يامياوجو، ومولوا 8 انقلابات عسكرية..وأبدًا ليس العرب.

اغتيال توماس سانكارا.. جريمة فرنسية

بل فرنسا هي من قامت بالانقلاب على الرمز الأهم، السيد توماس سانكارا عام 1987، ووأدت تجربة النهضة في بوركينا، وسلّطت عليه صديقه ورفيق عمره بليز كومباوريه من أجل إزهاق روحه، وإخفاء جسده بالمناشير..كانت فرنسا..التي لم تحتمل الخطاب الثوري لسانكارا بإلغاء ديون القارة في مؤتمر الوحدة الإفريقية، فأزاحته من الوجود..كانوا الغربيين..ولم يكن ثمة مسلم واحد ولا عربي متورّط في كوارث بلادك.

تجارة العبيد.. جريمة أوروبية وليست عربية

مأساة زونج والقبطان كولينجوود

هل استعبدك العرب والمسلمون؟..حسنًا..ربما سمعت بالقبطان كولينجوود..كان رجلًا إنجليزيًا يسعى لنيل رضا ملكة بريطانيا العظمى “إليزابيث الأولى”..كانت الملكة تُحب الأفارقة بشدة، لكنه حُب من نوع مختلف..سمعت في ستينات القرن الـ16 عن بحار إنجليزي اسمه جون هوكنز، سافر في 3 رحلات إلى إفريقيا، وبقوة السلاح استطاع تكبيل مئات الأفارقة، ثم بيعهم في عرض البحر للسفن الإسبانية، كرّر العملية بضع مرات وحصل على عمولة ضخمة..سال لعاب الملكة فأرادت نصيبًا من تجارته، ووفّرت له سفينة اسمها “يسوع” ثم ثانية وثالثة..وازدادت الأرباح لدرجة أن الملكة كرّمته ومنحته وسام النبالة وكان على شكل إفريقي مقيّد بالسلاسل.

إلقاء 133 إفريقياً في المحيط والتعويض عنهم

من قلب مدينة ليفربول استقلّ القبطان كولينجوود سفينة صوب القارة السمراء، وعينه على فئة معيّنة من الأفارقة..الكورومانتيين نسبة لمدينة كورمانتسي الغانية والتي تضم أفراد قبيلة الآكان..وبالفعل استجلب عددًا منهم بالمئات، ثم عرج على بلادك بوركينا فاسو، وأخذ من أبنائها مئات.. وصعد بهم جميعًا على متن سفينة اسمها “زونج”..كان عددهم بالألوف ولم تقو السفينة على الصمود في طريقها الطويل نحو جامايكا في أميركا الوسطى.. فقام السيد كولينجوود بربط 133 إفريقي بالحبال ثم ألقاهم في المحيط.. عاد لاحقًا لبريطانيا وطالب بتعويض عن كل رأس فقدها.. وحصل بالفعل على 30 سترليني .. لم يحصل أهلك على التعويض ..لأنك كنت لهم محض بضاعة.

الأمم المتحدة تخصص يومًا لذكرى الجريمة الأوروبية

نسيت أن أخبرك يا سيد تراوري.. هل تعلم أن الأمم المتحدّة تُخصص يوم 23 أغسطس من كل عام كذكرى سنوية للجريمة الأوربية في استرقاق الأفارقة، والمعروفة باسم التجارة الثلاثية.. حتى الأمم المتحدّة تُقرّ أنها جريمة أوروبا وترغب أنت في لصقها للعرب.

لماذا يفعل تراوري ذلك؟ .. الكيان الصهيوني خلف التحول

استقبال سفير الكيان في واجادوجو

السبب في تزييف التاريخ واستعداء الإسلام في بوركينا فاسو هو أن الزعيم الإنقلابي إبراهيم تراوري استقبل قبل 3 أسابيع في عاصمة بلاده شخصًا يُدعى “سيمون سيروسي”..من هو؟..هو سفير الكيان الجديد في بوركينا فاسو.

إشادة رسمية بالعلاقة الدبلوماسية مع الكيان

نعم .. المصيبة وراءها تلك الدويلة القزمة المبنية على أجساد أهالينا في الأراضي المحتلة.. أصبح لدى بوركينا علاقة دبلوماسية مع الكيان، أشادت بها الرئاسة البوركينابية نفسها في بيان رسمي.

الكيان يقلب التاريخ رأساً على عقب

وطبيعي من أجل استرضاء هؤلاء الأسافل، تصبح الشريعة الإسلامية فجأة مصدر خطر، ويُمنع طلابها من دخول بوركينا فاسو، وتُسحب منهم الجنسيات، ومنطقي جدًا أن يصبح العرب مسئولين عن استرقاق الأفارقة لألف عام.

الكيان يستغل خاصرة إفريقيا الرخوة

هل علمت السبب الآن؟.. وهذه كارثة بمعنى الكلمة.. العرب والمسلمون على وشك فقدان دولة جديدة لصالح الكيان.. يحاول الأعادي الالتفاف على موجة العزلة الدولية والتشهير الذي تعرّضوا له في أوروبا وأميركا، ولم يجدوا خاصرة رخوة غير الدول الإسلامية في إفريقيا، وأول ما وضعوا أقدامهم فيها بدأ في تحريف التاريخ وتبرئة الأوروبيين وإلصاق الجرائم بالعرب والمسلمين.

التغلغل الصهيوني في إفريقيا.. من إثيوبيا إلى بوركينا

البداية من إثيوبيا وليبريا ومشروع الماشاف

بدأ العدو في التغلغل خطوة وراء خطوة من أول إثيوبيا التي أقام فيها محطة تجسس ثم ليبيريا التي هيمن بها على غرب إفريقيا، وأسّس جهازاً للمشاركة في المشروعات التنموية في إفريقيا، وهو جهاز الماشاف.

تدريب عيدي أمين في جيش الكيان

يُقدم العدو خبراته التكنولوجية في الري والتقطير، ويجني مقابل ذلك عقودًا عسكرية ضخمة ونفوذًا داخل الجيوش.. لدرجة أن زعيم مسلم الديانة من وزن عيدي أمين رئيس أوغندا، تلقّى تدريبه العسكري في مدرسة المظلات في جيش العدو، وعاد لأوغندا لتنفيذ انقلاب عسكري، قبل أن يستميله العقيد القذافي مرة أخرى، ويفتح بلاده لمنظمة التحرير.

خيانة كامب ديفيد وانهيار النفوذ العربي

ثم أخذ الأمر منحى أشد سوءً.. متى؟.. كان ذلك عندما وقّعت مصر معاهدة كامب ديفيد.. بعدها خرج وزير خارجية ليبيريا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1981 ليقول كلمته الشهيرة “نحن نؤمن أن السبب الرئيس لقطع العلاقات مع “الكيان” هو التضامن مع مصر وسلامة أراضيها، أما الآن وقد تم تصحيح الأوضاع وتعايشت القاهرة معهم، فإن الليبيرييين ليسوا أكثر مصرية من السادات”.

إثيوبيا تتجرأ على مصر بعد فقدان النفوذ

وقد كانت وفقدت مصر ومعها العرب معظم نفوذهم في إفريقيا، لحد أننا نرى دولة مثل إثيوبيا تتجرأ على القاهرة وتحرمها من حقوقها المائية التاريخية في نهر النيل.

فضائح الكيان في إفريقيا.. نهب ثروات القارة

دان جريلتر وصفقة كاتانجا الكونجولية

نسيت أن أخبرك يا سيد تراوري عن الخير الذي يجلبه العدو.. سأعطيك نبذة عن إثنين من المليارديرات .. دان جريلتر من خيرة رجال الأعمال في الكيان.. ماذا فعل؟.. استولى مع عملاق تجارة السلع السويسرية “جلينكور” على 74% من أسهم شركة كاتانجا الحكومية الكونجولية..ما هي تلك الشركة؟.. ببساطة تمتلك مناجم في حزام النحاس في الكونجو، تحتوي بداخلها على 49% من احتياطي الكوبالت العالمي، و5% من احتياطي الكوكب من النحاس.. كم دفع؟..500 مليون فقط وجنى في المقابل أرباح بقيمة 1.5 مليار وضعته على قائمة أغنى رجال الأعمال في الكيان.. كانت من سرقات القرن في إفريقيا لدرجة أن الخارجية الأميركية نفسها وضعته على قائمة العقوبات.

ييني شتاينمتس وصفقة منجم سيموندي في غينيا

انتظر حتى تسمع القصة الثانية..من هو بطلها؟.. الملياردير “ييني شتاينمتس”..سأحكي لك.. هذا الرجل دفع رشوة قيمتها 35 مليون $ فقط.. رقم كبير؟..لا.. لأن ما سيحصل عليه كان أسهمًا في أضخم منجم لخام الحديد على وجه الأرض وهو منجم سيموندي في دولة غينيا والذي يحوي احتياطات ب 2.2 مليار طن.. وبمجرد أن حصلت شركة شتاينمتس BSGR على الرخصة.. قامت ببيعها لعملاق التعدين البرازيلي ‘‘فالي‘‘ بقيمة 2.5 مليار $ وهرب للكيان وأصبح من أغنى رجالاته.

فرنسا تحاكمه ويهرب إلى الكيان

وتخيّل أيضًا من فرط فساد العدو داخل القارة قامت فرنسا بمحاكمة شتاينمتس لأنه يحمل أيضًا جنسيتها، لكنه فر لأراضينا المحتلة ومكث هناك مستمتعًا بمليارات منهوبة من الأفارقة.. هذا هو بالضبط الرخاء الذي سوف يجلبه الكيان لبوركينا فاسو. وهذا ما بعت لأجله العرب والمسلمين..

الخلاصة.. أمة 400 مليون لا تتحرك

نحن الآن أمام واقع مرير..دولة أغلبيتها من المسلمين، تتخذ موقفًا ضد الإسلام.. دولة شيّد فيها العرب ألوف المدارس، ثم أصبحوا في عين الاتهام عن جريمة لم يرتكبوها.. دولة أخرى تُسرق منّا واسمها بوركينا فاسو.. لأن زعيمها الانقلابي قرّر إدانتهم لكسب صداقة أحط العدى.. نحن الآن نشاهد بوضوح تزوير التاريخ في إفريقيا.. ولو امتدت الموجة التي بدأت أصلًا في كينيا، لوجدنا أنفسنا في ضمير 500 مليون إفريقي بعد سنوات قليلة مجرد مجرمين، بينما الأوروبي الأبيض ملاكًا، والعدو اللقيط منقذًا.

هل يُرجى الخير من أمة 400 مليون لا تتحرك لغزة؟

ماذا سوف يفعل العرب؟.. للأسف لا يُرجى منهم خيرًا.. وهل يُرجى الخير من أمة مكونة من 400 مليون شخص لم تتحرك لإيقاف العدوان على القطاع بما خلفه من 70 ألف روح، حتى تتحرك اليوم دفاعًا عن دينها وعروبتها؟.. هل يُرجى خيرًا منهم ومعظمهم إما مطبعون علانية أو سرًا مع العدو؟

حديث للنفوس لا للحكام

لا والله.. ليس هذا حديثًا موجهًا لأنظمة وحكام، ملوك وسلاطين باعوا كل أرض، كل عرض، كل دين.. بل هو حديثنا لأنفسنا.. حتى نُدرك حجم المكيدة المنصوبة لتاريخنا من العساكر الانقلابيين في بوركينا فاسو، وحتى تكون لدينا الحجة في درء الاتهامات الباطلة عن تاريخ إسلامي وعربي لم يجلب للقارة سوى رخاء لم تعرفه قبل الإسلام، ولم تذقه مرة أخرى من بعد زوال إمبراطورياته.. وهذا أقل ما ندين به لديننا.. وللأوائل الذين بذلوا.. وعار علينا نحن أن نفرّط!

المصدر

صفحة عبده فايد على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

بصمتنا الحضارية: الإنسان قبل البنيان

الحضارة الإسلامية حضارة إنسانية

التعليقات معطلة