قراءة في محاولات تبرير حركة سبئية تحت شعار المقاومة
إذا كانت قوى الربيع العربي التي أيدت الحوثي قد نسفت كل الأسس الفكرية والأخلاقية لمشروع الربيع العربي، فما الذي جعلها ترهن نفسها لمشروع سبئي طبقي كهنوتي بعد أن كانت تبشر شعوبها بالحرية والدولة المدنية؟ وما هو الحكم الشرعي في هذه الحركة التي ترى في عبد الملك الحوثي وأتباعه من العصمة والموالاة ما لا تراه في أصحاب النبي ﷺ؟
شعار المقاومة – شرعنة الطغيان السبئي
يحاول الحوثي إضفاء الشرعية على حركته السبئية القرمطية بشعار المقاومة كما فعل ذلك قبله القرمطي حافظ الأسد وابنه بشار في سوريا، واستطاعا بذلك تكريس أبشع صور الطغيان السياسي في العالم العربي خلال نصف قرن بالشعار نفسه، حتى تخلى الشعب السوري طول تلك المدة عن كل حقوقه الإنسانية فضلًا عن حقوقه السياسية من أجل مشروع المقاومة، ليتبين له أنه كان ضحية مشروع قرمطي دفع ثمنه ملايين القتلى والمهجرين منذ مذبحة حماة وقصف المخيمات الفلسطينية في لبنان وتدميرها وإخراج منظمة التحرير منها إلى تونس ١٩٨٢، ليتحول حافظ الأسد بعدها إلى بطل الصمود وراعي المقاومة الإسلامية!
نسف قوى الربيع العربي لأسسها الفكرية والأخلاقية
لقد نسفت قوى الربيع العربي التي أيدت الحوثي – عدا من وقف ضده منها – كل الأسس الفكرية والأخلاقية لمشروع الربيع العربي – الذي عبرت عنه ثورات الشعوب العربية سنة ٢٠١١ من أجل الحرية – وانتهى بها المطاف للاصطفاف خلف الحوثي وكأن شعوبنا المنكوبة لا تحتاج إلا إلى مزيد من الطغاة، وبالشعارات نفسها التي رفعها كل الطغاة العرب منذ ١٩٥٢ حتى اليوم، فما زادت الأمة وشعوبها إلا ضعفًا وظلمًا وهزيمة وتشرذمًا!
وإذا كانت قوى الربيع العربي تلك – الإسلامية والعلمانية على حد سواء – التي ما تزال تعيش في التيه بلا قيادة ولا مشروع، ترهن نفسها للحوثي ومشروعه السبئي الطبقي الكهنوتي بعد أن كانت تبشر شعوبها بالحرية والدولة المدنية والديمقراطية! دع عنك الإسلام الذي لا ترى أصلًا أنه جاء بنظام للحكم وأن الدعوة إلى عودة الخلافة ضرب من الجنون! أما عودة السبئية في اليمن فهي مشروع إسلامي مقاوم يجب شرعًا الوقوف خلفه!
اصطفاف المعارضة المصرية مع إعلام النظام
وإذا كانت المعارضة المصرية في الخارج قد اصطفت هي وإعلام النظام في الخندق نفسه دفاعًا عن الحوثي باسم المقاومة! فإنها أنهت بذلك مشروعية وجودها هي في الخارج كقوى معارضة من أجل الحرية والتعددية السياسية، إذ ليس الحوثي بأفضل حال في موقفه من التعددية والتداول السلمي من النظام المصري!
فإن وقوف الهيئات العلمائية والجماعات الإسلامية خلف الحوثي باسم الدفاع عن الإسلام الذي يُذبح أهله في اليمن على يد الحوثي نفسه لأشد ضلالًا وأخطر انحرافًا!
الرد على دعوى نصرة الحوثي لأنه من أهل القبلة
إن محاولة تبرير الوقوف مع حركة الحوثي بدعوى أنها حركة شيعية زيدية من أهل القبلة والإسلام يجب نصرتها، يصطدم بتاريخ هذه الحركة وواقعها ورعاية الحملة الصليبية لها، حيث استباحت قتل الشعب اليمني ومحاصرة مدنه وتجويع أهلها وتهجيرهم، مما يجيز للشعب اليمني دفع عدوانها بكل وسيلة حتى ولو كانت حركة سنية، فضلًا عن حركة سبئية باطنية!
الفرق بين الشيعة والزيدية وحركات الردة والزندقة
لقد فرق الفقهاء بين الشيعة والزيدية من أهل القبلة والإسلام، وحركات الردة والزندقة التي تتخذ التشيع ستارًا لمشروعها السياسي كالسبئية والخرمية والقرمطية والعبيدية والنصيرية، حيث حكم عليها علماء عصرها بالردة، وكان مناط الحكم وسببه هو الخروج على الأمة بالسيف واستباحة دمائها بالغلو في شأن علي وآل بيته، وحكمهم على الصحابة بالردة لأنهم – في نظر هذه الحركات – لم يقروا بأحقيته في الخلافة! وهو ما يعني أيضًا ردة الأمة وشعوبها المعاصرة التي تدين بما دان به الصحابة! وهو الذي يفسر استباحتها لدماء المسلمين!
موقف الحوثي من الصحابة – الشك في الإيمان
بل ترى حركة الحوثي – بحسب عشرات المقاطع المنشورة لدعاتها بالصوت والصورة – في عبد الملك الحوثي وأبيه بدر وأخيه الحسين والحشاشين من أتباعه، وفي النظام الإيراني وميليشياته الشيطانية في العراق – التي غرقت في بحور دماء ملايين المسلمين الأبرياء في اليمن والعراق وسوريا بالتعاون مع المحتل الأمريكي والروسي – من العصمة والموالاة والفضل ما لا تراه في أصحاب النبي ﷺ الذين قال الله عنهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال عن جيش العسرة في غزوة تبوك في السنة التاسعة للهجرة التي خرج فيها أربعون ألف صحابي حتى لم يتخلف منهم إلا ثلاثة، فقال عنهم وعن الثلاثة: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٧-١١٨].
وقال عنهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].
فمن شك في ردة هذه الحركة السبئية فقد شك في إيمان الصحابة وفضلهم!
المصدر
صفحة د. حاكم المطيري، على منصة X بتصرف.


