تولَّى هذا المقال بيانَ طرفٍ مِن عناية الشَّريعة بالاستدراك، وتطبيق الفِكْرة في الجانب التَّعبُّدي والفِقْهِيّ والعِلْمِيّ، مع إيماني العميق بأنَّ الاستدراكَ ينبغي أن يُحضر بقُوَّةٍ بالغةٍ حتى يصبح ثقافةً لنا في هذه المرحلة الحرجة من حياة أمَّتنا، لفضل العَمَل العامّ على التَّعبُّد الخَاصّ.

عِنَاية الشَّريعة بالاستدراك

لا بُدَّ أن يُعلَم أوَّلًا أنَّ الاستدراكَ من الأُمُور التي لا يُطلب لصِحَّتها نَصّ؛ لأنَّها مِن الأُمُور الجِبِلِّيَّةِ التي فطر اللهُ النَّاس عليها.

استحضر مثلاً الوضع المالي المُترَدِّي للأُمَّة المُسلمة، ثُمَّ انظر لتجربة الصِّين مثلاً التي كانت دولةً مُتخلِّفةً اقتصاديًّا.

وبعد هذا التَّنويه، أذكر ثلاثة أدِلَّة تنبئك بعناية الشريعة بالاستدراك.

أمَّا الأوَّل:

﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا﴾ [الفرقان: 62]

قال ابن كثير: أي جعلهما يتعاقبان؛ توقيتًا لعبادة عبـاده له، فَمَن فاتته عَمَل في الليل استدركه في النَّهار، ومَن فاته عَمَل في النَّهار استدركه في اللَّيل.

وورد مثل هذا التَّفسير عن ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير رضي الله عنه، وذكره البُخاري في صحيحه.

والثاني:

ما أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ فُقراء المُهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَات العُلَى والنَّعيم المُقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يُصَلُّون كَمَا نُصَلِّي، ويَصُومُون كَمَا نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويُعْتِقُون ولا نُعْتِقُ. فقال رسول الله ﷺ: أفلا أُعَلِّمُكُمْ شيئًا تُدْرِكُونَ به مَنْ سَبَقَكُمْ، وتَسْبِقُونَ به مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يكون أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إلا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله، قال: تُسَبِّحُونَ وتُكَبِّرُونَ وتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً.

والثالث:

عامَّةُ الآياتِ والأحاديثِ الدَّاعِيَة للتَّوبة.

فإنَّ التوبةَ هي عمليةُ استدراكٍ حقيقية؛ إذ إنَّ شُرُوط التَّوبةِ الثَّلاثةَ توزَّعت على الأزمنة الثَّلاثة؛ فيندم على الماضي، ويُقلِع في الحاضر، ويعزم ألَّا يعود في المُستقبل.

إنَّ التوبة المُقترنة بشُرُوطها تمنح صاحبها شُعُورًا بميلادٍ جديدٍ.

وللإمام الغزالي كلامٌ حسنٌ استصحب فيه منطق التَّوبة وشُرُوطها وهو يُقَرِّرُ القَصْد الذي ينبعث منه -وهو إرادة فِقْهَ الاستدراك، وهذا نصُّ كلامه-: وأمَّا القصد الذي ينبعث منه -وهو إرادة التَّدارُك- فله تعلُّقٌ بالحال؛ وهو مُوجب تَرْك كلّ محظور هو مُتوجَّهٌ له، وأداء كلّ فَرْضٍ هو مُتوجهٌ عليه في الحال، وله تعلُّقٌ بالماضي؛ وهو تدارك ما فرَّط، وله تعلُّقٌ بالمُستقبل؛ وهو دوام الطَّاعة ودوام ترك المعصية إلى الموت.

أيّ ذنبٍ ذلك الذي يصمد في وجه عفو الله ورحمته! والله يقول في نصٍّ بَيِّنٍ لا لبس فيه: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]، وهو القائل: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ [النساء: 110]

أر الله منك خيرًا بكثرة العَمَل بعد التَّوبة من الزَّلَل، فالعمل بعد التَّوبة مُشعرٌ بقبولها.

مَن تورَّط بسلب حَقّ مُسلم ردَّه إليه ولو من غير أن يعلم.

ومن اغتاب مُسلمًا استسمحه وتحمَّل حياء ذلك، فإن عَلِمَ أنَّه يؤذيه بذلك فيستجيب لوصية ابن المبارك: لا تؤذه مرَّتين، اغتبته ثُمَّ تقول له: قُلتُ فيك كذا وكذا! وعند ذلك يلجأ إلى مدحه في المجالس التي نهش لحمه فيها، بالتَّركيز على حسناته، والسُّكُوت عن زلَّاته، وليكثر من الاستغفار والدُّعاء له، فإذا جاء يوم القيامة، ووَجَدَ في صحيفته حسنات هذا الاستغفار فالرَّجاء أن يُسامحك ويتجاوز عنك.

أولا: الاستدراك في الجانب التَّعبُّدِيّ

الفرع الأول: استدراك الورد القُرآنيّ الخَاصّ بالليل:

أخرج مسلمٌ في صحيحه أنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ».

والمراد بحزبه: القُرآن الذي التزم به، أو حدَّده لنفسه بأن يقرأه كلّ ليلة.

الفرع الثاني: استدراك أوراد الصلاة:

روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً».

ونصُّ روايةِ أبي داود في سننه: «وَكَانَ إِذَا غَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ مِنَ اللَّيْلِ بِنَوْمٍ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً». (صححه الألباني)

وروى الترمذي والنسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قال: «أوَّل مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ صَلَاتُهُ، فَإِنْ كَانَ أَكْمَلَهَا وَإِلَّا قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ وُجِدَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَكْمِلُوا بِهِ الْفَرِيضَة». (صححه الألباني)

الفرع الثالث: استدراك الصِّيام:

حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلاَةُ، قَالَ: يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِلْمَلَائِكَةِ وَهُوَ أَعْلَمُ: انْظُرُوا فِي صَلاَةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا؟ فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً، وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْءً قَالَ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ: أَتُوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَٰلِكَ.» (صححه الألباني)

وروى أيضًا عن تَيِمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه عن النبي ﷺ بهذا المعنى قال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ.» (صححه الألباني)

وينضم من سبل استدراك الصِّيام حسنُ الخلق؛ لما أخرج أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: إِنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ.» (صححه الألباني)

والأدب عملٌ يحتاج لقُوَّة تحكُّم بالمشاعر من صاحبه، ومُغالبة الطَّبع، ومِن هُنا يأتي العناء في تحقيقه في النَّفس، أعاننا اللهُ عليه بمَنِّه وكرمه وفضله.

وكذلك يُستدرك بتفطير الصَّائم؛ لما أخرج الترمذي وابن ماجه عن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيّ رضي الله عنه قال: «قال رسول الله ﷺ: مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا.» (صححه الألباني)

ينبغي أن يحرص المُسلم على تفعيله في المواسم الفاضلة؛ كرمضان، وستة من شوال، والعشر الأوائل من ذي الحِجَّة، خاصَّة يوم عرفة.

الفرع الرابع: استدراك الزَّكاة والصَّدقة:

الزكاة تُستدرك بالصَّدقات التَّطوُّعِيَّة، وتقدَّم أنَّ من سُبُلِ الاستدراك التَّسبيحَ عقب الصَّلوات ومُطلق التَّسبيح كذلك.

وإنَّ هذا الباب من أعظم الأبواب التي يستدرك بها الإنسان ما فاته مِن الصَّدقات، ولو بلغت الملايين.

الفرع الخامس: استدراك الحج والعمرة:

قصد المسجد بالصَّلاة: لما أخرج أبو داود عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الحَاجِّ المُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لاَ يُنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ المُعْتَمِرِ.» (حسنه الألباني)

الجلوس في المسجد حتى شروق الشمس للذكر: لما أخرج الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ.» (حسَّنه الألباني).

فَرُجى لِمَن فعل ذلك أن يستفتح يومه بمغفرة تُبدِّد سيئاته، يعود بها من المسجد كيوم ولدته أمّه كالحاج المُحرم، وفضل الله واسع.

الذَّهاب للمسجد بِنِيَّة التَّعلُّم أو التَّعلِيم: لما أخرج الطبراني أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن غَدَا إلى المَسْجِدِ لا يُريد إلا أن يتعلَّمَ خيرًا أو يُعَلِّمَه.. كَانَ له كَأَجْرِ حَاجٍّ تامًّا حجَّتُه.» (حسَّنه الألباني)

وفيه حَثٌّ كذلك لِمَن آتاه اللهُ عِلْمًا أن يقصد المسجد بِنِيَّة تعليم العِلْم، وألَّا يضجر مِن كثرة السَّائلين له في المساجد.

العُمرة في رمضان: لما روى البخاري ومُسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لمَّا رجع النبي ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ: مَا مَنَعَكِ مِنْ الحَجِّ؟ قالت: أَبُو فُلانٍ -تَعْنِي زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا وَالْآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا، قَالَ: فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي». لا تقوم هذه العُمرة مَقَام حَجَّة الإسلام.

الصَّلاة بمسجد قُباء: لما أخرج الترمذي عن أسيد بن ظهير الأنصاري أنَّ النبي ﷺ قال: «الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ.» (صححه الألباني)

وعند الطبراني من رواية سهل بن حنيف رضي الله عنه بإسنادٍ حسنٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَن تَوَضَّأَ فَأحسَنَ الوُضُوء ثُمَّ صَلَّى فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ عُمْرَةً».

فالصَّلاة الواحدةُ فيه تعدل عمرة، وهذا من فضل الله.

وكثيرًا ما تساءلت عن سِرِّ اختصاص نوعٍ مِن العبادة بأجرِ نوعٍ آخر مِن العبادة على وجه التَّحديد كالحال هُنا، حتَّى قرأت قولًا لابن عبد البر يقول فيه: «والفضائل لا تُدرَك بِقِيَاس، ولا مدخل فيها للنَّظر، وإنَّما فيها التَّسليم والتَّعلُّم والشُّكر.»

ثانيا: الاستدراك في الجانب الفقهي

تقدَّم أنَّ الاستدراكَ يأتي بمعنى إصلاح الأمر، وتلافي ما فيه من خطأٍ أو نقص، وبمعنى تدارك ما فات تعويضًا له، وكِلَا المعنيين حاضرٌ بوفرةٍ في الفُرُوع الفقهية.

أمَّا عن الاستدراك بالمعنى الأوَّل:

فإنَّ الشَّريعةَ أتاحت الفُرصةَ في كثيرٍ مِن الصّور لاستدراك النَّقص الحاصل في العبادات:

  1. سجود السهو.
  2. الإعادة.
  3. القضاء.

لما روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: من نَسِىَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لهَا إلا ذَلك.

وأخرج أبو داود في سننه من حديث أَبِى سَعِيدٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ. (صححه الألباني)

  1. الفدية

وأما الاستدراك بالمعنى الثاني:

  1. الإعادة: فَمَن صلَّى الفرض مُنفردًا، ثُمَّ توفَّرت له جماعةٌ، فيُمكن أن يستدرك أجر صلاة الجماعة بإعادة الصَّلاة من جديد.
  2. قضاء السُّنن الفائتة: فإنَّ قضاءَ السُّنَّةِ سُنَّة، كما أنَّ قضاءَ الفرضِ فرض. ومن أدِلَّة ذلك أنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى السُّنَّةَ البعديَّةَ لصلاة الظُّهر بعد العصر لمَّا انشغل عنها بوفد عبد القيس عندما أتوه بالإسلام من قومهم كما في الصَّحيحين.

وعقَّب النَّووي على ذلك بأنَّ السُّننَ الرَّاتبة إذا فاتت يُستحَبّ قضاؤها.

  1. ذِكْر التَّسمية فيما لو نسيها عند أوَّل الطَّعام، فقد أخرج أصحاب السُّنَن إلَّا النَّسائي عن عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَّ رسول الله ﷺ قال: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ الله تَعَالَى، فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ الله تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ الله أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (صححه الألباني).
  2. الوصية: وهي تدور على استدراك الإنسان ما فاته في حياته قبيل وفاته، فإنَّ له أن يُوصِي بثُلُث ممتلكاته أن تُنفَقَ في مَصَارف الخير.

ثالثا: الاستدراك في الجانب العِلْمِي

الاستدراك هو الحَلّ، ولكنَّ سُؤالَ هؤلاء يتضمَّن سُؤالًا أعمق وأدَقّ، مفاده: كيف أستدرك على نفسي بالضَّبط؟ فهو يسأل عن خريطة المَسَار لا عن العُنوان فحَسْب.

النُّبُوغَ في العِلْم والرُّسُوخ فيه أمرٌ مُستطاع، وليس هو بالأمر المُحال، ولا يحتاج إلَّا بضع سنوات لِمَن حسنت هِمَّته، ونُبُوغ عدد مِن الأئمة كذلك قديمًا وحديثًا خير شاهدٍ على ذلك، لكنَّ الأمر تَضَخَّمَ عند المُعاصرين لمَّا تخلُّوا عن المنهجياتِ القويمةِ التي تُبَلِّغُ السَّالك في أقصر وقت.

فهذا الصَّحابيُّ الجليل مُعاذ بن جبل رضي الله عنه يستحِقّ لَقَب أعْلَم الأُمَّة بالحَلَال والحَرَام، وما عاش في الإسلام إلَّا عشر سنوات.

وهذا سيبويه إمام النُّحاة إلى يوم القيامة، كتب كتابه الشَّهير في النَّحو، لم يسبقه مثله ولم يلحقه مثله، والعجيب أنَّه ليس بعربي؛ بل فارسي، ومات وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة على المشهور.

وتصدَّى الشَّافعي للإفتاء بإجازةٍ من أعلم أهل الأرض يومها، وهو الإمام مالك، وهو ابن خمسة عشر عامًا!

أبو حنيفة النُّعمان بدأ يطلب العِلْم بعد الثَّلاثين، حتى بلغ فيه الغاية، وأصبح صاحب أول مذهب فقهي مكتمل، واتبعه الناس بعد ذلك، مع أنَّ أبا حنيفة رجلٌ فارسي!

وهذا العِزّ بن عبد السَّلام صاحب الكتاب العظيم الذي لم يُسبق بمثله، وكان طفرةً علميةً في بابه، وهو كتاب: قواعد الأحكام في مصالح الأنام، بدأ يطلب العِلْم بعد الثَّلاثين كذلك، وفتح الله عليه وأعطاه حتى بلغ ما بلغ، وما وقف أحدٌ بباب الله إلَّا وأعطاه، وإذا أعطى اللهُ أدهش!

وهذا النَّوويّ صاحب الكُتُب المُقدَّمة في أكثر العُلُوم، يموت وله مِن العُمْر خمسةٌ وأربعون عامًا، وقد بدأ التأليف وهو ابن خمسة وعشرين عامًا، نبغ صغيرًا، ومات إمامًا كبيرًا، وأعانه على ذلك بعد عون الله أنَّه جعل تحصيله تصنيفًا، وتصنيفه تحصيلًا.

ومن بعده جاء ابن القَيِّم، الذي كان تائهًا في أودية الفِرَق البِدْعِيَّة، مُتأثرًا بها، حتى جالسه شيخ الإسلام ابن تيمية، فأقنعه وردَّه إلى سبيل الهُدَى بفضل الله، فنشط في طَلَب العِلْم، واعتكف عليه، ولازم شيخه ابن تيمية سِتَّة عشر عامًا حتى مات، وأصبح ابن القيم إمامًا مِن أئمَّة الإسلام الكِبار.

مَن تقدَّمت به السِّنّ قد ازداد عقلاً وفَهْمًا، ولئن تعسَّر عليه الحفظ الحَرْفِيّ فقد تيسَّر له الحفظ المعنوي، ومع كثرة النَّظر في كُتُب أهل العِلْم تُصبح عباراته رصينةً بليغة.

كيف أستدرك على نفسي؟

وأجيب في نقاطٍ سبعٍ على وجهٍ مُختصر:

  1. المُبالغة في الإلحاح على الله عزَّ وجلَّ بالدُّعاء أن يفتح لك باب العِلْم، وما ينبغي لعاقلٍ أن يتهاون في هذا الأمر. وللإمام العِزّ بن عبد السَّلام كلمة فذَّة نصّها: “والله لَن يَصِل أحدٌ إلى شيءٍ إلَّا بالله، فكيف يُوصَل إلى الله بغير الله؟”.

ينبغي للعبد أن يتعامل مع الدُّعاء كما يتعامل الرَّضيع مع ضرع أمّه؛ فإنَّه يعلم أن نجاته فيه، وأنَّه في تركه يهلك، وكذلك المُتضرِّع لربّه يعلم أنَّه لو ترك التَّضرُّع فإنَّه يهلك، ولو تمسَّك به نجا.

يقول الرَّاغب الأصفهاني: “ضَرَعَ الرَّجُلُ ضَرَاعَةً؛ أي: ضَعُفَ وَذَلَّ، فإذا تَضَرَّع فقد أظهر الضَّرَاعَة”.

  1. التَّخفُّف مِن الشَّواغل، ومُتابعة وسائل التَّواصُل، وكذلك التَّخفُّف من التَّصدُّر العِلْمِيّ. والأمر أهون في التَّصدُّر الوعظي، ويبقى كذلك حتى يُكمل مِن العِلْم نِصَابًا تجب فيه الزَّكاة، فعندئذٍ يقوم بنشر العِلْم، والرَّجاءُ أن يُفتح له فيه.
  2. الانطلاق مِن الوحي: فتحفظ القُرآن كله أو جلَّه، وتضبطه ضبطًا مُحكمًا، وتُكْثِر النَّظر في مُتُون السُّنَّة؛ كالكُتُب السِّتَّة ونحوها، وتبدأ رحلة تحصيل المفاهيم والأفكار والقواعد مِن الوحي. وكم مِن مُعضلةٍ وجدتُ أبناء العصر يحتارون فيها وهي منطوقةٌ في النُّصُوص، فضلاً عمَّا في الوحي من بركة، وكُلَّما تعلَّقتَ به ظهرت البركةُ في عِلْمِك وعَمَلِكَ.
  3. الانكباب على علمٍ واحدٍ والإحاطة به: إنَّ الذي يتوجَّهُ أن ينكبَّ على العِلْم الذي يُريد تحصيله، وينصرف إليه بكُلِّيَّته، فإذا انتهى منه أو من قطعةٍ وافية منه تحوَّل إلى غيره.

وذلك بأن يعمد إلى أهمّ متنٍ أو كتابٍ مُختار في هذا العِلْم، ويقرؤه في يومٍ واحدٍ أو يومين، ثُمَّ يأتي إلى شرحٍ له، يكون مُختارًا لكنَّه وافٍ، فيقرؤه في أيَّامٍ قليلةٍ. ولا ينتظر الدُّرُوس الخاصَّة؛ بل يُفتِّش في الشَّبكة عن الشُّرُوح المُسجَّلة، ويُنزِّل عِدَّة حلقات صوتية في شرح كُتُب هذا العِلْم، ويقوم بسماعها، وتدوين ما يحتاجه منها.

وفي هذه الأيَّام يكون مُهتمًّا بتكوين الخريطة العامَّة لهذا العِلْم، ومِن ثَمَّ يبدأ بدراسة كلّ جانب على حِدَة في خِطَّةٍ زمنِيَّةٍ واضحة المعالم.

وهو في كلّ ذلك يجمع بين التزام مجالس أهل العِلْم، والقراءة الفردِيَّة، وسَمَاع الحلقات الصَّوتية، ومُذاكرة الأقران، وكُلَّما اجتمع عنده مقدارٌ مِن الأسئلة المُشكِلة توجَّه إلى خبيرٍ في الفَنِّ وجالسه واستفاد منه.

ويلزم التَّنويه هُنا إلى تحتُّم التَّدرُّج في الطَّلَب، فعامَّة العُلُوم يُمكن تقسيم كُتُبها إلى ثلاث مراحل: كُتُب للمُبتدئ، وكُتُب للمُتوسِّط، وكُتُب للمُنتهي.

ولا شكَّ في أنَّ الذي أنجز المرحلة الأولى بحقِّها أقوى من الذي يُعاني في كُتُب المرحلة الثَّالثة، فلا داعي للتَّعجُّل. وإنِّي لأخشى أن تكون نِيَّة المُتعجِّل مدخولة، ومن تعجَّل الشيء قبل أوانه عُوقِبَ بحرمانه، فكيف إذا خانته النِّيَّة!

الاستفادة من سَمْت الشيخ وأدبه وغير ذلك من المقاصد النَّافعة.

الناس يتفاوتون في نسبة الفراغ وطبيعة الأوراد، ومن هُنا يُنصح طالب العِلْم أن يستثمر كلّ دقيقة في البناء العِلْمِيّ.

  1. ضَبْط العِلْم والتَّركيز فيه: فيرى متنًا مُختارًا ويحفظه بنظام الحِفْظ الحرفي أو المعنوي، والأوَّل أحسن لمن استطاعه، ثُمَّ يعمد إلى شرحٍ له أو إلى كتابٍ يجمع أُمَّهات مسائل هذا العِلْم، ويقوم بتكراره نحو عشر مرّات حتى يستظهره تمامًا.

وإنَّ ضبطَ العِلْم هو الفرق الجوهري الأوَّل الذي يتمايز به الطُّلَّاب، وما مِن ريبٍ عندي أنَّ الطَّالبَ الذي يضبط كِتَابًا ضَبْطًا مُحْكَمًا أنَّه أقوى مِن الذي يقرأ خمسة كُتُب في هذا الفُنّ.

وسُبحان الله العظيم! العِلْمُ الجديدُ له لذةٌ وفيه شهوة، والطَّالبُ يَجِد في ذلك مِن الانتعاش ما لا يجد في الضَّبطِ والمُراجعة، ولهذا فإنَّ العِلْمَ الجديدَ إذا كان هو حَظَّ النَّفسِ؛ فإنَّ ضَبْط العِلْم هو حَقّ الشَّرِيعَة.

﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ﴾ [العلق: 1-3]

قال الشيخ الطَّنطاوي: كرَّر سُبحانه الأمر بالقراءة لأنَّه مِن الملكات التي لا ترسخ في النَّفس إلَّا بالتّكرار، والإعادة مرةً فمرة.

ولا يخفى أنَّ الكتاب في قراءته الأولى يحتاج مُدَّةً ما، والثَّانية نصفها، وبعد ذلك يعتاد ختم الكتاب كلّه في أيّامٍ قليلة.

  1. البَدْء بعُلُوم الآلة: وأهمَّها اللُّغة مِن نحوٍ وصَرْفٍ وبَلَاغةٍ وفِقْه لُغة، وأُصُول الفِقْه وأُصُول التَّفسير ومُصطلح الحديث والقواعد الفِقْهِيَّة. وأهمّ المذكور: اللُّغة وأُصُول الفقه [ومُصطلح الحديث]، وهذه تحتاج نحوًا مِن سنتين لو تفرَّغ لذلك، ويبقى يتنعَّم بها طوال عمره. ومتى أتقنها الطَّالِب أصبح قوِيًّا ولو كان شابًا صغيرًا، ومتى اشتغل بالعِلْم دُونها فإنَّه يبقى ضعيفًا ولو أصبح شيخًا هَرِمًا.
  2. العِنَايَة بتكوين العَقْلِيَّة العِلْمِيَّة [النَّقدِيَّة]: ومِمَّا يُعين على ذلك: النَّظر في كُتُب المَدَاخِل لكُلّ عِلْم، وينظر في الكُتُب الفِكْرِيَّة للمُفكِّرين الذين لهم باعٌ حَسَن مِن مادَّة الوحي.

والحقيقة أنَّ القراءةَ المُنتجة هي الفرق الجوهري الثاني الذي يتمايز به الطُّلَّاب، بحيث يتمكَّن الطَّالِب أن ينتزع مِن الفِكْرة فكرةً، ومِن الكتاب كتابًا، ولا يهتدي أحدٌ أنَّ الثَّاني وَلَد الأوَّل.

تاج الدين الحنفي النحوي، بعد أن بلغ الإمامة في عُلُومٍ كثيرة، وتقدَّم به السِّنّ، أقبل على سَمَاع الحديث ونَسْخِ الأجزاء، فلمَّا عاتبه النَّاس، قال في ذلك:

وعابَ سَمَاعي للأحاديثِ بعدما … كَبِرتُ أُناسٌ هُم إلى العَيْبِ أقرَبُ

وقالوا إمامٌ في عُلُومٍ كثيرةٍ … يَرُوحُ ويَغْدُو سامعًا يتطلّبُ

فقلتُ مُجيبًا عن مَقَالَتِهِم وَقَد … غَدَوْتُ لِجَهْلٍ مِنْهُمُ أتَعَجَّبُ

إذا اسْتَدْرَكَ الإنْسَانُ مَا فَاتَ مِن عِلْمٍ … فَلِلْحَزْمِ يُعْزَى لَا إلَى الجَهْلِ يُنسَبُ

المصدر

خُلاصة كتاب: فِقْه الاستدراك، الشيخ محمد بن محمد الأسطل.

اقرأ أيضا

على عتبات الاستدراك

سر العناية بالثغر التربوي في المواسم الفاضلة

التعليقات معطلة