زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

لا أنفع للعباد من الالتزام بالتقوى، والتحلي بها، ولذلك وصّى الله تعالى ورسوله – صلى الله عليه وسلم – بها، ووصّى بها الصالحون من الصحابة والتابعين، وأئمة الدين.

وقد سأل أبو القاسم القاسم بن يوسف المغربي شيخ الإسلام ابن تيمية أن يوصيه بما يكون فيه صلاح دينه ودنياه، فأوصاه بالتقوى، قال:”ما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها”1(1) [الوصية الصغرى، لابن تيمية، ص8]..

توصية الله الأولين والآخرين بالتقوى

أخبرنا الله تبارك وتعالى أنه وصّى الذين من قبلنا وإيانا بالتقوى، فقال: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131].

وقال بعض طلبة العلم لشيخه: أوصني، قال: “أوصيك بما أوصى الله به الأولين والآخرين، وهو قوله: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131] “2(2) [بصائر ذوي التمييز: 5/ 261]..

ونادى ربُّ العزة الناس جميعاً آمراً إياهم بتقواه سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

توصية جميع الأنبياء أممهم بالتقوى

كل الرسل الذين أرسلهم ربُّ العزة أمروا أقوامهم بالتقوى، ووصوا بها، فأوَّل الرسل الذين أمروا بالتقوى نوح عليه السلام (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) [المؤمنون: 23]، وقال تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحُ أَلا تَتَّقُونَ) [الشعراء: 105 – 106] وجاء هود من بعد نوح وأمر قومه بمثل ما أمر به نوح قومه (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودُ أَلا تَتَّقُونَ) [الشعراء: 124]، وجاء صالح من بعد هود وأمر قومه بالتقوى (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحُ أَلا تَتَّقُونَ) [الشعراء: 142] وذكر الله لوطاً عليه السلام فقال: (إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلا تَتَّقُونَ) [الشعراء: 161] ومثل ذلك قال نبيُّ الله شعيب (إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلا تَتَّقُونَ) [الشعراء: 177] وأمر خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام قومه بتقوى الله فقال: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [العنكبوت: 16].

كثرة إيصاء الله هذه الأمة التقوى

من ينظر في كتاب الله تعالى يجد أن الله تعالى وصّى هذه الأمة بالتقوى كثيراً، فقد أمرنا الله بلفظ (اتَّقُوا اللَّهَ) أو (اتَّقُوا رَبَّكُمْ) أكثر من ستين مرة، وأمر بالتقوى بألفاظ أخرى مقاربة، قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [البقرة: 189]، قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 194]، وقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [البقرة: 196]، وقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) [البقرة: 203]، وقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ) [البقرة: 223]، وقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: 231]، وقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [البقرة: 233]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا) [البقرة: 278]، وقال: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) [البقرة: 281]، وقال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: 282].

هذا ما ورد في سورة البقرة وحدها من أمر الله لنا بالتقوى بلفظ (وَاتَّقُوا اللَّهَ) وكثرة الأمر من الله تعالى بالشيء الواحد يدلُّ على مدى عناية الله بهذا الأمر.

توصية رسولنا – صلى الله عليه وسلم – بالتقوى

وصّى رسولنا – صلى الله عليه وسلم – أفراداً من أصحابه بالتقوى، كما أوصى جميع أمته بها.

وقد ضمّن رسولنا – صلى الله عليه وسلم – خطبة الحاجة التي كانت يبدأ بها خطبه، ثلاث آيات تأمر بالتقوى، وسأذكر بعض النصوص التي وصّى بها رسولنا – صلى الله عليه وسلم – بالتقوى، ومنها خطبة الحاجة:

1 – جمع الشيخ ناصر الدين الألباني مجموع ما كان يقوله رسولنا – صلى الله عليه وسلم – في خطبة الحاجة من كتب السنّة في رسالة صغيرة، طبعها المكتب الإسلامي، وعنون لها بـ”خطبة الحاجة”3(3) [الطبعة الثانية، 1389 هـ، بيروت]. .

ونص هذه الخطبة:

«إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شررو أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده وسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب 70 – 71].

أما بعد: ثم يذكر حاجته».

وقد ساق الشيخ ناصر طرق هذه الخطبة في كتب السنّة.

2 – عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن»4(4) [الترمذي: 1987، وقال: هذا حديث حسن صحيح]..

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “جمع النبي – صلى الله عليه وسلم – بين التقوى وحسن الخلق، لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته”5(5) [الفوائد: ص 69]..

3 – وعن أبي سعيد الخدري، قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. فقال: «أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء»6(6) [أورده الألباني في الصحيحة ورقمه (555)، وعزاه لأحمد (3/ 82) والطبراني في المعجم الصغير: ص 197، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: ص 243: قال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين]..

4 – عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله، قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدٌ حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافاً كثيراً، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ»7(7) [الترمذي 2676، وقال: هذا حديث حسن صحيح]..

5 – وصّى الرسول – صلى الله عليه وسلم – أحد أصحابه، فقال له: «عليك بتقوى الله تعالى، والتكبير على كل شرف»8(8) [حكم عليه الشيخ ناصر بالحسن، وعزاه إلى الترمذي عن أبي هريرة، صحيح الجامع الصغير: (4046)]..

6 – عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يخطب في حجّة الوداع، فقال: «اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم»9(9) [الترمذي: 616، وقال: هذا حديث حسن صحيح]..

7 – وعن النعمان بن بشير أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»10(10) [البخاري: 2587، مسلم: 1623]..

8 – وعن جابر، عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «فاتقوا الله في النساء»11(11) [مسلم: 1218]..

توصية أهل العلم بالتقوى

1 – كان أبو بكر يقول في خطبته: “أوصيكم بتقوى الله”12(12) [المستدرك: (2/ 415) ورقمه: (3447) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد]..

2 – وكتب عمر إلى ابنه عبد الله: “أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، فإنه من اتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زاده، واجعل التقوى نصب عينيك، وجلاء قلبك”13(13) [جامع العلوم والحكم: ص 151]..

3 – واستعمل عليُّ بن أبي طالب رجلاً على سرية، فقال له: “أوصيك بتقوى الله عز وجل الذي لا بد لك من لقياه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة”14(14) [جامع العلوم والحكم: ص 151]..

4 – وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: “أوصيك بتقوى الله عز وجل، التي لا يقبل غيرها، ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثيب إلا عليها، فإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين”15(15) [جامع العلوم والحكم، ص: 151]..

5 – ولما وِّلي خطب، وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: “أوصيكم بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله عز وجل خلفٌ من كل شيء، وليس من تقوى الله خلفٌ”16(16) [جامع العلوم والحكم: ص 151]..

6 – وقال شعبة: كنت إذا أردت الخروج، قلت للحكم: ألك حاجة، فقال: أوصيك بما أوصى به النبي – صلى الله عليه وسلم – معاذ بن جبل: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»17(17) [جامع العلوم والحكم: ص 151]..

7 – وصية شيخ الإسلام ابن تيمية بالتقوى:

سأل أحد طلبة العلم بالمغرب وهو أبو القاسم القاسم بن يوسف بن محمد التجيبي السبتي المغربي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بأن يوصيه بما يكون فيه صلاح دينه ودنياه، فكتب له رسالة، سميت بـ”الوصية الصغرى”. وقد جعل عمدة وصيته الحديث الذي وصى فيه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بتقوى الله، وسأورد في هذا الموضع بعضاً منها؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الجواب: “أما “الوصية”، فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها واتبعها، قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء” 131] “.

ووصى النبي – صلى الله عليه وسلم – معاذاً لما بعثه إلى اليمن فقال: «يا معاذ: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» [رواه الترمذي (1987) وقال فيه: هذا حديث حسن صحيح].

وكان معاذ – رضي الله عنه – بمنزلة عليَّه؛ فإنه قال له: «يا معاذ! والله! إني لأحبك» [عزاه محقق الوصية الصغرى إلى أبي داود والنسائي وغيرهم، وصححه] وكان يردفه وراءه [عزاه محقق الوصية الصغرى إلى البخاري ومسلم]، وروي فيه: “أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام” [قال محقق الوصية الصغرى: أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح]، وأنه يحشر أمام العلماء برتوة [أي: بخطوة] ومن فضله أنه بعثه النبي – صلى الله عليه وسلم – مبلغاً عنه داعياً ومفقهاً ومفتياً وحاكماً إلى أهل اليمن.

ثم إنه – صلى الله عليه وسلم – وصاه هذه الوصية، فلأنها جامعة، وهي كذلك لمن عقلها، مع أنها تفسير الوصية القرآنية.

أما بيان جمعها، فلأن العبد عليه “حقان”:

حقٌّ لله عز وجل، ـ وحقٌّ لعباده، ثم الحق الذي عليه لا بد أن يخَّل ببعضه أحياناً: إما بترك مأمور به، أو فعل منهي عنه، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: «اتق الله حيثما كنت» وهذه كلمة جامعة، وفي قوله: «حيثما كنت» تحقيق لحاجته إلى التقوى في

السر والعلانية، ثم قال: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» فإن الطبيب متى تناول المريض شيئاً مضراً أمره بما يصلحه، والذنب للعبد كأنه أمر حتم، فالكيِّس هو الذي لا يزال يأتي من الحسنات بما يمحو السيئات، وإنما قدَّم في لفظ الحديث «السيئة» وإن كانت مفعولة، لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة، فصار كقوله في بول الأعرابي: «صبوا عليه ذنوباً من ماء» [رواه البخاري ومسلم].

وجماع الخلق الحسن مع الناس: أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام، والدعاء له، والاستغفار والثناء عليه، والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال، وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض. وبعض هذا واجب وبعضه مستحب.

وأما الخلق العظيم الذي وصف الله به محمداً – صلى الله عليه وسلم – (أي في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم:4]) فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقاً، هكذا قال مجاهدا وغيره، وهو تأويل القرآن، كما قالت عائشة رضي الله عنها: “كان خلقه القرآن” [رواه مسلم] وحقيقته المبادرة إلى امتثال ما يحب الله تعالى بطيب نفس وانشراح صدر.

واسم “تقوى الله” يجمع فعل كل ما أمر الله إيجاباً واستحباباً، وما نهى عنه تحريماً وتنزيهاً، وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد، لكن لما كان تارة يعني بالتقوى خشية العذاب المقتضية للانكفاف من المحارم، جاء مفسراً في حديث معاذ، وكذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي رواه الترمذي وصححه: “قيل: يا رسول الله! ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: «تقوى الله وحسن الخلق». قيل: وما أكثر ما يدخل الناس النار؟ قال «الأجوفان: الفم والفرج» [رواه الترمذي، وقال فيه: صحيح غريب].

وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً» [عزاه محققه إلى أبي داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضع، فإنها الدين كله؛ لكن ينبوع الخير وأصله: إخلاص العبد لربه عبادة واستعانة كما في قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، وفي قوله: (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) [هود: 23]، وفي قوله: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [الشورى: 10]، وفي قوله: (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ) [العنكبوت: 17] بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين انتفاعاً بهم أو عملاً لأجلهم، ويجعل همته ربه تعالى، وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك، والعمل له بكل محبوب، ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك18(18) الوصية الصغرى لابن تيمية..

وصية الشعراء بالتقوى

1 – قال ابن المعتز19(19) [جامع العلوم والحكم: ص 150].:

خلَّ الذنوب صغيرها … وكبيرها فهو التقى

واصنع كماشٍ فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرنًّ صغيرةً … إنه الجبال من الحصى

2 – وذكر ابن رجب20(20) [جامع العلوم والحكم، ص 152]. أن الإمام أحمد كان ينشد:

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا … تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

ولا تحسبنَّ الله يغفل ساعةً … ولا أنَّ ما يخفى عليه يغيب

3 – وقال أحد الشعراء:

لا تحقرنَّ من الذنوب صغيراً … إن الصغير غداً يعود كبيرا

إن الصغير ولو تقادم عهده … عند الإله مسطّراً تسطيرا

فازجر هواك عن البطالة لا … تكن صعب القياد وشمّرنّ تشميرا

إن المحب إذا أحبّ إلهه … طار الفؤاد وألهم التفكيرا

فاسأل هدايتك الإله بنيِّةٍ … فكفى بربك هادياً ونصيرا

4 – وقال ابن القيم في نونيته:

وإذا ما خلوت بريبة في ظلمة … والنفس داعية إلى الطغيان

فاستحي من نظر الإله وقل … لها إنَّ الذي خلق الظلام يراني

5 – وقال أحد الشعراء:

يا من يرى مدَّ البعوض جناحه … في ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى نياط عروقها في نحرها … والمخ يجري في تلك العظام النحل

امنن عليَّ بتوبة تمحو بها … ما كان مني في الزمان الأول

6 – وقال آخر:

من عرف الله فلم يغنه … معرفة الله فذاك الشقي

ما يفعل العبد بعزِّ الغني … والعزّ كل العزّ للمتقي

7 – وقال ابن حبان البستي21(21) [مختصر روضة العقلاء: ص 31].:

ألا إنما التقوى هي العزُّ والكرم … وفخرك بالدُّنيا هو الذُّلُّ والعدم

وليس على عبدٍ تقىيٍّ نقيصةٌ … إذا صحَّح التقوى وإن حاك أو حجم

8 – وأورد قول شاعر آخر قال:

إذا انتسب الناس كان التَّقيُّ … بتقواه أفضل من ينتسب

ومن يتقِّ الله يكسب به … من الحظِّ أفضل ما يكتسب

ومن يتَّخذ سبباً للنجاة … فإنَّ تقى الله خير السَّبب

الهوامش

(1) [الوصية الصغرى، لابن تيمية، ص8].

(2) [بصائر ذوي التمييز: 5/ 261].

(3) [الطبعة الثانية، 1389 هـ، بيروت].

(4) [الترمذي: 1987، وقال: هذا حديث حسن صحيح].

(5) [الفوائد: ص 69].

(6) [أورده الألباني في الصحيحة ورقمه (555)، وعزاه لأحمد (3/ 82) والطبراني في المعجم الصغير: ص 197، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: ص 243: قال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين].

(7) [الترمذي 2676، وقال: هذا حديث حسن صحيح].

(8) [حكم عليه الشيخ ناصر بالحسن، وعزاه إلى الترمذي عن أبي هريرة، صحيح الجامع الصغير: (4046)].

(9) [الترمذي: 616، وقال: هذا حديث حسن صحيح].

(10) [البخاري: 2587، مسلم: 1623].

(11) [مسلم: 1218].

(12) [المستدرك: (2/ 415) ورقمه: (3447) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد].

(13) [جامع العلوم والحكم: ص 151].

(14) [جامع العلوم والحكم: ص 151].

(15) [جامع العلوم والحكم، ص: 151].

(16) [جامع العلوم والحكم: ص 151].

(17) [جامع العلوم والحكم: ص 151].

(18) الوصية الصغرى لابن تيمية.

(19) [جامع العلوم والحكم: ص 150].

(20) [جامع العلوم والحكم، ص 152].

(21) [مختصر روضة العقلاء: ص 31].

المصدر

كتاب: “التقوى «تعريفها وفضلها ومحذوراتها وقصص من أحوالها»، عمر بن سليمان بن عبد الله الأشقر ص53-66.

اقرأ أيضا

كيف نغرس التقوى في قلوبنا

منارات النجاة من الفتن .. بين التقوى والأناة

سير المتقين وأخبارهم

التعليقات غير متاحة