لماذا الحديث عن المنافقين وتعريتهم؟!

زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

يتساءل البعض يقول أيوجد اليوم منافقين؟! فإذا كان جيل القرآن الفريد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بينهم منافقون، وكان في المسلمين سماعون لهم، فما الظن فيمن بعدهم؟

مقدمة

إن افتضاح أمر المنافقين هو بداية عز الإسلام، لأن وجودهم داخل الصف من أسباب الخذلان فدورهم معروف تاريخيا، أنهم يحاولون تمزيق الصف، إيجاد الخبال، الضعف، التردد، التثبيط في صفوف المؤمنين..ونظرا لهذه المخاطر العظيمة التي تنجم عن النفاق والمنافقين، وما يحدثونه من فتن، ومصائب، وبلايا، على الإسلام وأهله، لا جرم كانوا أحق بالفضح، والكشف وتعريتهم للمسلمين، كي تأخذ الأمة حذرها منهم، وتقوم بواجب الجهاد المتعين ضدهم، لا سيما في هذا الزمان الذي اشرأب فيه النفاق، وتفنن أهله بوسائل وأساليب ماكرة، ربت على مكر من سبقهم من المنافقين، ومردوا بذلك على النفاق.

وفيما يلي بيانا لبعض وأهم الأسباب التي تدعونا للحديث عن النفاق والمنافقين.

هم العدو

بیان خطر المنافقين الزنادقة على الإسلام والمسلمين، وأن خطرهم يكمن في إظهارهم الإسلام، وإبطانهم للكفر وبغض الإسلام وأهله، مستخدمين في ذلك من وسائل المكر والتلبيس ما يكون سببا في انخداع كثير من المسلمين بهم، واستماعا لشبهاتهم وتلبيساتهم، كما قال عز وجل: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47 ]، أي قابلين مخدوعين لكلامهم مستجيبين لهم.

فإذا كان جيل القرآن الفريد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، كان بينهم منافقون، وكان في المسلمين سماعون لهم، فما الظن فيمن بعدهم؟ ولا سيما بعد ظهور وسائل للمكر والخداع في زماننا اليوم لم تكن معهودة في أزمنة سابقة، فكان منافقو زماننا اليوم أشد خطرا من المنافقين الذين ظهروا في أزمنة خلت من قبلنا، فكان لزاما بیان خطرهم وكشف عوراتهم وتلبیساتهم، وبيان صفاتهم، وتحذیر الناس من شرهم وخبثهم وهذا من أهم ضروب الجهاد والمدافعة، ويكفينا في بیان خطرهم قوله عز وجل عنهم: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4].

ولذلك جاء الأمر بجهادهم في سورتين من كتاب الله عز وجل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة : ۷۳ ، التحریم: ۹]، وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله:

(فكشف عورات هؤلاء وبيان فضائحهم وفساد قواعدهم؛ من أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي لحسان بن ثابت: (إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن رسوله)1(1) رواه مسلم (2490) بلفظ مقارب.، وقال: (أهجهم أو هاجهم وجبريل معك)2(۲) البخاري (4123)، مسلم (2486). وقال: (اللهم أيده بروح القدس)3(3) البخاري (453)، مسلم (2485).، ما دام ينافح عن رسولك4(4) رواه مسلم (2490). وقال عن هجائه لهم: (والذي نفسي بيده لهو أشد فيهم من النبل)5(5) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (1/ 302-301)..

ومما يؤكد خطرهم تحذير الله عز وجل لعباده المؤمنين منهم، وفضحه لهم، وبیان صفاتهم في كتابه الكريم، فلقد صدر أطول سورة في القرآن – وهي البقرة – بذكر صفاتهم، حيث ذكر أربع صفات للمؤمنين، وآيتين في الكفار، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية، لبيان خطرهم، وعموم الابتلاء والفتنة بهم، وجاء الحديث عنهم في أكثر من نصف سور القرآن المدنية، واستغرق الحديث عنهم ما يقرب من ثلاث مئة وأربعين آية من كتاب الله عز وجل، فكانوا بذلك أخطر على المسلمين من الكفار المعلنين لكفرهم، وذلك بأن الإسلام بناء والمنافقون ينخرون قواعده لأنهم بداخله، والكافرون يضربون أسواره لأنهم خارجه؛ لذا حذرنا الله عز وجل من المنافقين أكثر من الكافرين.

وقال في موطن آخر: (وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم في القرآن، وجلى لعباده أمورهم، ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدا؛ لأنهم منسوبون إليه، وإلى نصرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة.

يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح؟ وهو غاية الجهل والإفساد.

فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟! وكم من حضن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟! وكم من علم له قد طمسوه؟! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها؟! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها؟!.

فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية. ويزعمون أنهم بذلك مصلحون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [ البقرة:۱۲])6(6) مدارج السالكين 1/ 348. .

ولو تأملنا أسباب سقوط الدول في التاريخ الإسلامي، لرأينا أن سقوطها كان بأيدي المنافقين الذين مكن لهم، فأعطوا العدو الوفاق.

بيان حقيقة العلماني والليبرالي والحداثي…

بیان صفاتهم التي يعرفون بها، كما جاء ذلك في القرآن الكريم، وإنزالها على منافقي زماننا اليوم، وبيان أن النفاق لم يخل منه زمان، ولا سیما زماننا اليوم الذي نجم فيه النفاق وظهر فيه من صفات المنافقين ومكرهم وخداعهم وتلبيسهم ما لم يظهر في أي زمان مضى، ومن تمردهم على النفاق وتمرنهم عليه أن اخترعوا أسماء أخرى، يصرفون بها الناس عن تسميتهم لهم بالمنافقين، تارة باسم الليبراليين، وتارة بالعلمانيين، وتارة بالحداثيين العصرانيين.

كل هذا ليهربوا من الوصف الشرعي والحقيقة الشرعية التي سماهم الله بها بالمنافقين، وهذا من التلبيس والتدليس الذي يجب أن يزال عن الناس.

يقول الأستاذ عبدالله التميمي:

(..وما أن يسمع المجتمع كلمة منافق حتى تجده یکره ويعادي، ويحذر من نعت بهذه الصفة، أعاذنا الله وإياكم من النفاق وأهله، أما إذا سمع عن العلمانيين أو غيرهم تجده لا يكرههم ولا يعاديهم، مثل کرهه وعداوته للمنافقين، لا لشيء إلا لأنه لم يطلق عليهم لقب المنافقين، وتجد أن عامة الناس لا يدركون أن هؤلاء العلمانيين وغيرهم هم المنافقون، وهم المفسدون، أحفاد عبدالله بن أبي ابن سلول وغيره ممن سار على نهجه.

لذلك فإني أتوجه إلى العلماء والدعاة وطلبة العلم أن يحذروا الناس من النفاق وأهله، ويبينوا للناس أساليبهم، كما كان منهج القرآن مع رسول الله ، وأن يسموا العلمانيين والحداثيين وغيرهم، ممن سار على شاكلتهم بالمنافقين. حتي يتلقاهم المجتمع بحزم وحذر أكثر، ويكرههم غاية الكراهية، وعندما يقرأ المسلم مواقفهم في سورة آل عمران أو النساء أو الأنفال أو التوبة أو الحشر أو المنافقون أو غيرها. ينزل هذه الآيات على الواقع ويدرك خطورة الأمر، وبذلك يكسب أهل الصحوة المجتمع تلك القوة الضاربة في مواجهة أولئك (المنافقين) دون تعب أو عقد محاضرات وكتابة مقالات؛ إذ إن المجتمع جاهز لمعاداة هؤلاء ومحاربتهم ما داموا منافقين7(7) مجلة البيان عدد 152 ص138..

النفاق إذ يتسلل إلى ما هو سياسي واجتماعي ووطني…

اشرأب النفاق في زماننا اليوم حتى تجاوز النفاق الفردي إلى النفاق الاجتماعي، والنفاق السياسي، والنفاق الوطني، وانطلق أهله فيه من عمل منظم وتخطيط ماکر، توزعوا فيه الأدوار، و مردوا فيه على النفاق، وأصبح للنفاق مراكزه ومقاره ومؤسساته الاستخباراتية.

وأصبح النفاق هو السلعة الرائجة في السياسة، فنافق الحاكم محکومیه، ونافق المحكومون حاكمهم، إلا من رحم الله، وقل مثل هذا في النفاق الاجتماعي بين الناس والمداهنات فيما بينهم، وقل مثل ذلك في النفاق الوطني، الذي يزعم أهله أنهم وطنيون مخلصون في ولائهم لأوطانهم؛ وهم أعداء الوطن، وأعداء العقيدة بما يسعون به من إفساد لعقائد الناس وعقولهم وأموالهم، ويدعون أنهم حماة الأمن وهم أعداؤه في الحقيقة.

فكان لزاما کشف هذه الأنواع من النفاق، والتحذير من أهلها، والسقوط في مكرهم وخداعهم.

المنافقون وكلاء عن أعداء الأمة التاريخيين…

الحملة العالمية التي يشنها الكفار بمختلف مشاربهم وعقائدهم على أهل السنة المتمسكين بالمنهج الحق، واستخدامهم في ذلك أخبث الوسائل وأمضاها في الخداع والتلبيس. والكفار في حملتهم هذه لا يستطيعون تنفيذ أهدافهم إلا بحبل من الله وحبل من الناس.

أما حبل الله فهو مقطوع عنهم، ولم يبق في أيديهم إلا حبل الناس، المتمثل في المنافقين، الذين تمالؤوا مع إخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب في عدائهم للدين الحق وأهله، قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: ۱۱].

وفي ذلك يقول الدكتور عبدالعزیز کامل حفظه الله تعالى وهو يتحدث عن حرب الغرب للإسلام السني الحق باسم الإرهاب:

(ولكن السؤال هنا: هل تستطيع أمريكا وحدها أن تقوم بهذه الحرب؟ بالطبع لا، وبالقطع لا؛ فلا بد أن يقوم معها أو عنها نواب مخلصون لها، ليحققوا كل مستطاع مما تريده هي وما يريدونه هم قبلها.

فالحرب المعلنة من أمريكا على الإسلام؛ ما كان لها أن تعلن وتنفذ بهذه الجراءة والشراسة والشمول، لولا استنادها إلى مواقف أكثر جراءة وشراسة وشمولا من المنافقين، وإلا فمن لأمريكا بالتدخل المباشر في الأحوال الداخلية للدول لإعادة صوغ مناهجها والتحكم في إعلامها وتوجيه الرأي العام بها ومحاصرة الدعوة والإصلاح فيها؟! ومن لأمريكا بجعل البلدان الإسلامية أرضا مستباحة للأغراض العسكرية والمخابراتية والاقتصادية؟

أقول: نحن نعيش حرب الغرب على الإسلام، وبالتحديد على أهل السنة منذ عقود طويلة في الكثير من بلدان المسلمين؛ حيث ناب ولا يزال ينوب عنهم فيها منافقون ظاهرون، أو مستخفون مستترون، يحاربون الدين وأهله تارة باسم الحرب على الرجعية، وتارة على أعداء التقدمية، وتارات ضد المتطرفين والظلاميين والمهووسين الدينيين والأصوليين، وأخيرا استقر اصطلاح المجرمين على تسمية الحرب ضد الإسلام ب “الحرب على الإرهاب”)8(8) انظر مقال: (رايات النفاق والحرب المعلنة على الإسلام) مجلة البيان: العدد (173)..

ومن هؤلاء المنافقين الذين خدموا الكفار في حملتهم على أهل السنة: المنافقون من الرافضة الباطنية، وزنادقة المتصوفة والعلمانيين الحداثيين في كل بلد، وهذا لا نقوله جزافا، بل هو ما اعترف به الكفار أنفسهم في مراكز أبحاثهم وفي علاقاتهم بهؤلاء المنافقين.

كيف نتعامل معهم

نظرا لخفاء المنافقين في مجتمعات المسلمين اليوم لكثير من الناس بسبب إظهارهم بعض شعائر الإسلام، وإخفائهم لكفرهم وكرههم للدين وأهله، فلقد تباينت مواقف المسلمين، ومنهم بعض الدعاة والمجاهدين في التعامل مع المنافقين، ما بين متساهل معهم يحسن الظن بهم ويواليهم، ويلقي بسمعه إليهم، وينخدع بشبهاتهم، وآخرون وقفوا موقف العداء البين لهم، والمواجهة بالقوة معهم، والتسرع باستحلال دمائهم، وذلك لردتهم، دون النظر للمفاسد التي تترتب على هذه المواجهة.

تحذير الدعاة والعاملين لهذا الدين من بعض خصال المنافقين

لما كان النفاق نفاقين: نفاق أكبر صاحبه مخلد في النار، ونفاق أصغر لا يخرج من الملة، وهو من اتصف بصفات المنافقين العملية: کالكذب وإخلاف الوعد والغدر والخيانة ولما أصاب حياتنا من انتشار هذه الصفات الذميمة في تعاملاتنا وأخلاقنا كان من أهداف هذه الدراسة بيان الخلل الذي دب في حياتنا، وذلك بالاتصاف ببعض خصال وأعمال المنافقين، حتى طال هذا الخلل بعض الدعاة والمصلحين، فكان لزاما علينا تفقد أحوالنا وإصلاح ما فسد منها من هذه الخصال الذميمة، والحذر من عقوباتها في الدنيا والآخرة، وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: (وأما النفاق فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثير ما يخفى على من تلبس به، فيزعم أنه مصلح وهو مفسد)9(9) مدارج السالكين 1/347..

الهوامش

(1) رواه مسلم (2490) بلفظ مقارب.

(۲) البخاري (4123)، مسلم (2486).

(3) البخاري (453)، مسلم (2485).

(4) رواه مسلم (2490).

(5) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (1/ 302-301).

(6) مدارج السالكين 1/ 348.

(7) مجلة البيان عدد 152 ص138.

(8) انظر مقال: (رايات النفاق والحرب المعلنة على الإسلام) مجلة البيان: العدد (173).

(9) مدارج السالكين 1/347.

اقرأ أيضا

خطر النفاق .. حقيقة أم خيال؟

خذلان قضايا المسلمين .. وسياق النفاق

النفاق صرح ممرد وقواعد تتحرك

 

التعليقات معطلة.