إنّ قضية المعارض الإماراتي جاسم الشامسي المعتقل منذ نحو 3 أسابيع في سورية وشيوع الكلام عن الرغبة بتسليمه للإمارات مع عدم وجود تصريح رسمي بخصوصه رغم كل المناشدات والنداءات هي قضية “مسار” لا قضية “فرد”، وأبعادها تتعلق بحرية كل مسلم يعيش في سورية ويحمل جنسية القطر السوري، وليست قضية أجنبي أو لاجئ.
استبداد متجذر.. ومأزق الدولة القومية
عانت الشعوب الإسلامية والعربية منذ قرون طويلة من معضلة استبداد السلطة وقمعيّتها المزاجية وعدم وجود آلية لحفظ حقوق الناس وحريّاتهم أمام الدولة. وازدادت هذه المعضلة تفاقمًا مع غرس الدولة القومية الحديثة، جمهورية كانت أم ملكية، التي ازداد استبدادها وقمعها للشعوب بأجهزة أمنية أكثر فعالية وهيمنة على أنفاس الشعوب.
ثورات فاشلة واستيراد حلول غير ملائمة
وقد جرّبت هذه الشعوب في هبّاتها وثوراتها أن تكسر حلقة الاستبداد والتسلّط هذه، ولكنّها حاولت ذلك من خلال تبنّي منظومات حكم غربية لها طبيعتها وسيرورتها من حيث النشأة الغربية، ولم يكن من السهل أن تكون هذه المنظومات فعالة في العالم العربي لسببين أساسيين:
– انعدام وجود العقلية المتقبّلة لهذه المنظومات وعدم تحوّلها إلى “أعراف” كما حدث في أوروبا بعد صراعات مريرة، فضلا عن قصور هذه المنظومات التي تتخللها الأهواء.
– وجود إرادة دولية واضحة لبقاء الاستبداد والتسلّط باعتبار ذلك هو الأداة الأفضل لضبط هذه الشعوب ومنعها من بناء قوة منافسة في الساحة الدولية. فالمنطقة العربية تحديدًا تملك جميع مؤهلات صعودها كقوة عالمية كبرى، ولها في دينها وثقافتها وتاريخها ما يدعوها إلى استهداف الريادة والخروج من التبعية. وحين تصبح الأنظمة السياسية تعبيرا عن إرادة هذه الشعوب سيؤول أمرها إلى المضي تجاه القيم الإسلامية الغالبة على مزاجها ومزاج نخبها الأكثر قدرة على تحريك الجماهير بعد إفلاس النخب العلمانية بجميع توجهاتها.
قضية الشامسي: مسار حرية وليس حدثًا فرديًا
ومن هنا فإنّ قضية المعارض الإماراتي جاسم الشامسي المعتقل منذ نحو 3 أسابيع في سورية وشيوع الكلام عن الرغبة بتسليمه للإمارات مع عدم وجود تصريح رسمي بخصوصه رغم كل المناشدات والنداءات هي قضية “مسار” لا قضية “فرد”، وأبعادها تتعلق بحرية كل مسلم يعيش في سورية ويحمل جنسية القطر السوري، وليست قضية أجنبي أو لاجئ.
الحل المستعاد: تفعيل خطاب الشريعة
ومن هنا لا بدّ من القول بأنّ هذا هو أوان استلهام الشريعة وبيان ما تقدّمه في هذا الباب، ولا بدّ للنخب الإسلامية ألا تكتفي بالخطاب الحقوقي المتوافق مع معايير النظام الدولي ووثيقة “حقوق الإنسان” المعلنة عالميًّا، فلطالما خذلت هذه المعايير شعوبنا وأسرانا ومعتقلينا، إذ نادرًا ما تطبّق عليهم. والواجب هو توجيه الخطاب بمفردات الشريعة للشعوب والمجتمعات المسلمة، كي تحيا بقيمها فتصير في حسّها قضية شرعية كقضية العقيدة أو الصلاة وما شابه من أركان الدين وأسسه.
العدل: الغاية الكبرى للرسالات السماوية
فكما يغضب المسلمون حين تُمسّ عقيدتهم وكما يغضبون حين يضيّق عليهم في الصلاة أو تهان مقدّساتهم، فكذلك ينبغي لهم أن يغضبوا بإزاء مظاهر الظلم والجور، وأن يقولوا للظالم يا ظالم، وأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، وأن يعملوا بواجب نصرة المسلم الذي يقع عليه الجور.
والنصوص في هذا الباب كثيرة جدا، ينبغي لنا لا مجرّد حفظها والتنظير حولها في البحبوحة، بل تفعيلها في الواقع واعتناق ما فيها من قيم ومبادئ وأحكام، وهذا التفعيل هو دور النخب والعلماء والدعاة وكل مؤثّر يحمل شيئا من العلم، فهي ليست ساحة “الفتاوى” فحسب، ولا ينبغي لها أن تظل حكرًا على الخطاب العلمائي الإفتائي مع أهمية هذا الخطاب، بل ينبغي أن تصبح ثقافة عامّة كي تستدرك الأمة خللًا مركزيّا في ثقافتها وتاريخها وحاضرها ومستقبلها.
العدل في القرآن: أوامر مباشرة وقيم مؤسسة
وحين نقرأ نصوص الكتاب والسنّة، فلا يكفي جعلها أورادًا تتلى بلا تفعيل، ولا يكفي أخذ الإجازات فيها، بل ينبغي ترسيخ معانيها في قلوبنا وقلوب الأجيال، لتصبح صبغةً نصطبغ بها فتدخل في حياتنا وأقوالنا ومواقفنا وأفعالنا كتداخُل الصبغة بالثوب.
وهذه بعض النصوص في الباب:
قال تعالى في العدل الذي من أجله أنزل الكتاب: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25).
وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (المائدة: 8 ).
وقال عزّ وجلّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء: 135).
وقال تعالى لنبيّه صلى الله عليه وسلّم: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (المائدة: 42).
وقال عزّ وجلّ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (النساء: 58).
وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النحل: 90).
العدل في السنة: تفاصيل عملية وحساسية ضد الظلم
وتأتي السنّة لتقدّم لنا مبادئ في العدل وتفاصيل عملية مهمّة بخصوص كيفية تحقيق هذا القسط والعدل، فتمنحنا صورة واضحة له في العقول والقلوب، وتتكوّن لدى الأمة الحساسية تجاه أي مظهر من مظاهر الجَور والظلم:
ففي مطلع الحديث القدسي الشهير في صحيح مسلم: “يا عبادي! إني حرّمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما. فلا تظالموا!”.
وفي صحيح مسلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: “المسلم أخو المسلم، لا يَظلمه ولا يُسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربةً من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”.
وفي صحيح مسلم أيضًا: “من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.
وفي سنن أبي داود: “إنّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب”.
وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت: “بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم – أو نقول – بالحق حيثما كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم”. وهذا في سلطة نبوية، فكيف في ما هو دونها؟! أين واجب قول كلمة الحقّ أو المطالبة بالعدل؟!
إنكار المنكر: واجب لحماية الجسم الاجتماعي
وفي سنن الترمذي: “إنّ من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر”. وفي المعجم الكبير للطبراني: “أَحَبُّ الجهاد إلى الله كلمة حقّ تقال لإمام جائر”. ويستفاد منها كلمة الحقّ للإمام الذي يجور في أشياء دون أخرى.
وفي صحيح البخاري: “ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى”. وفي رواية عند النسائي: “ما من والٍ إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خَبالا، فمن وقي شرها فقد وقي، وهو من التي تغلب عليه منهما”. فتأمّل أهمية وجود البطانة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!
تحريم الظلم: قاعدة ربانية ثابتة
وفي سنن أبي داود: “ألا من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة”. وهذا في المعاهد، فما بالك بالمسلم المقيم بين ظهراني إخوانه؟!
وفي المعجم الأوسط للطبراني: “لا قُدست أمّة – أو كيف تُقدَّس أمّة – لا يأخذ ضعيفُها حقّه من شديدها، وهو غير متعتع؟”.
وفي صحيح مسلم: “إنه يُستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع”. فالواجب على المسلم في جوّ من الحرية أن يقوم بواجب الإنكار العلني أو التعبير عن كرهه على الأقل، أما السكوت في هذه الأجواء فهو أسوأ ما يمكن أن يفعله لتغذية مظاهر الجَور!
وفي سنن الترمذي: “اسمعوا، هل سمعتم أنه سيكون بعدي أمراء؟ فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد عليّ الحوض، ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدّقهم بكذبهم فهو منّي وأنا منه وهو وارد عليّ الحوض”. وليس بالضرورة أن يكون هذا هو وصف الأمراء ليُعمل بالحديث، ففيه فائدة عدم الإعانة على الظلم، وضرورة اتخاذ موقف ضدّه.
وفي مسند أحمد: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. قيل: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: “تمنعه من الظلم”.
وفي سنن الترمذي: “إنّ الله مع القاضي ما لم يجُر، فإذا جار تخلّى عنه ولزمه الشيطان”.
وفي سنن النسائي: “أربعة يبغضهم الله عز وجل: البياع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر”.
وفي المعجم الكبير: “سيكون في آخر الزمان شرطة، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، فإياك أن تكون من بطانتهم”.
وفي المعجم الأوسط للطبراني: “إياكم والخيانة، فإنها بئست البطانة، وإياكم والظلم، فإنه ظلمات يوم القيامة”.
وفي مسند أحمد: “ما من أمير عشرة إلّا يؤتى به يوم القيامة مغلولا، لا يفكّه إلا العدل، أو يوبقه الجَور”.
وفي سنن النسائي: “إنما الإمام جُنّة يُقاتَل من ورائه ويُتقى به، فإنْ أمر بتقوى الله وعدل فإنّ له بذلك أجرا، وإنْ أمر بغيره فإنّ عليه وزرا”.
التكافل الاجتماعي: سدٌ في وجه الظلم
وفي صحيح البخاري عن الأسير: “فُكُّوا العاني وأَجيبوا الدّاعي”. مما يدل على أنه قيمة مستهدَفة في الإسلام، خصوصا لمن وقع في الأسر ولم يُعرف له جرم. فالسعي في فكّ أسره ليعيش حياته الطبيعية الآمنة كما يليق بالإنسان أمر واجب على الأمة.
وفي صحيح مسلم: “ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها”. ومناسبته أنّ المسلم لا يقف موقف المتفرّج ويدلي بشهادته إذا سئل فحسب، بل يبادر إلى الشهادة تخفيفًا عن الأسير المظلوم إذا ظنّ أنّه سُجِن ظلمًا أو ربّما يسلَّم إلى المجرمين ويؤذى.
ونرى تطبيق هذه المبادئ في خطبة تولية أبي بكر رضي الله عنه حين قال مخاطبًا جماعة المسلمين: “أما بعد أيها الناسُ، فإني قد وُلِّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم، فإنْ أحسنتُ فأَعِينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّموني. الصدقُ أمانةٌ، والكذبُ خيانةٌ، والضعيفُ منكم قويٌّ عندي حتى أزيحَ عِلَّتَه إنْ شاء اللهُ، والقويُّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذَ منه الحقَّ إن شاء اللهُ”. فمهمّة الأمة في تقويم السلطة (لا تجاهل أفعالها) حاضرة، ومهمّة السلطة في حماية الضعفاء (لا انتقاص حقوقهم) حاضرة.
هذه هي الشريعة.. وهذا هو الكنز الذي تهنا وشقينا حين أضعناه. والعمل بها هو وحده الكفيل بإزالة الجَور والاستبداد والظلم والقمع والتسلّط في حياتنا. فإنّ الاستبداد متى بدأ برعمًا صغيرا وسكتنا عنه، كبر حتى صار جذعًا غليظًا يصعب كسره وتضحّي الأمة بفلذات أكبادها وبدمار بلدانها للتخلص منه، فما أجدرها أن تقطع شأفته من أصوله بالوسائل السلمية المجتمعية، وتعمل بما يقي منه. والله المستعان.
المصدر
صفحة الأستاذ شريف محمد جابر، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
تحريم تسليم المطلوبين لدول الظلم والبغي والعدوان
لا أخوة بين المسلمين والكافرين .. ولا دين حق غير دين الإسلام

