”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .. (2-6)

الشرك يتحقق بصرف حق الله الى غيره بالعبادة والتأله، أو بصرف حقه في الطاعة وقبول الشرائع. ولهذا فطاعة الله أصل وطاعة رسول الله فرع عن طاعة الله تعالى.

مقدمة

في الجزء الأول أوضح الكاتب خطورة الشرك في الدارين، وأن بعض معانيه يعلمها الناس وبعضها يتم التلبيس في شأنه وإخفاؤه وهو شرك التشريع وشرك الولاء..

وفي هذا الجزء يوضح معنى “الطاعة والاتباع” في اللغة، وبيان أن شرك الطاعة والاتباع هو أحد نواع شرك العبادة..

وأن ثمة فرق بين طاعة الله ورسوله وطاعة غيرهما، وثمة فرق أيضا بين شرك الطاعة وشرك التأله..

مع بيان آيات كريمات توضح شرك التشريع، وأقوال المفسرين في شرحها..

شرح معنى شرك الطاعة والاتباع

شرك الطاعة مستلزم لشرك الاتباع؛ فكل أحكام شرك الطاعة يسري على حالات شرك الاتباع، وعامل المحبة مشترك بينهما.

المعنى اللغوي

والطاعة في اللغة: الانقياد والموافقة أو الامتثال للآمر.
وهو يتعدى بنفسه فيقال: (أطاعه إطاعة) ، ويتعدى بالحرف فيقال (طاع له).

جاء في “لسان العرب”:

فصل: الطاء المهملة:
طوع: الطَّوْعُ نَقِيضُ الكَرْهِ. طاعَه يَطُوعُه وطاوَعَه، والاسم الطَّواعةُ والطَّواعِيةُ، ورجل طَيِّعٌ أَي طائِعٌ، ورجل طائِعٌ وطاعٍ مقلوب كلاهما مُطِيعٌ كقولهم عاقَني عائِقٌ وعاقٍ. (1لسان العرب 8/ 240

وقال الأزهري:

من العرب من يقول (طاع له) يَطُوع طَوْعا فهو طائع بمعنى: أطاع أيضاً، وطاع يطاع لغة جيّدة. قال ابن سيده: وطاع يطاع وأطاع: لان وانقاد، وأطاعه وانطاع له: كذلك، وقد طاع له يطوع إذا انقاد له بغير ألف، وطاع له إذا انقاد له فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، فإذا وافقه فقد طاوعه.. وفي الحديث «فإن هم طاعوا لك بذلك». (2تهذيب اللغة 1 /341، 342)

وفي القاموس المحيط:

فصل الطاء:

طاع له يَطُوعُ ويَطاعُ: انْقادَ (كانْطاعَ) و (له) المَرْتَعُ: أَمْكَنَهُ كأَطاعَه. وهو طَوْعُ يَدَيْكَ: مُنْقادٌ لكَ. وفرسٌ طَوْعُ العِنانِ: سَلِسٌ. والمِطْواعُ: المُطيعُ. والطاعُ: الطائِعُ كالطَّيِّعِ ككَيِّسٍ ج: طُوَّعٌ كرُكَّعٍ.

والطَّواعِيَةُ: الطاعةُ. و«الشُّحُّ المُطاعُ»: هو أن يُطِيعَهُ صاحِبُه في مَنْعِ الحُقوقِ. وأطاعَ الشجرُ: أدْرَكَ ثَمَرُهُ وأمْكَنَ أن يُجْتَنَى. (3القاموس المحيط 1 /744

خلاصة المعنى اللغوي

ومن هذه المعاني اللغوية نستطيع القول بأن “الطاعة” تتعلق بآمرٍ له القدرة المادية والمعنوية على الأمر والنهي؛ أي أن الطاعة مرتبطة بمخلوق آمر، له سلطان يمكّنه من الأمر والنهي المقترنين بالترغيب والترهيب، أو المنفعة والأذى، أو الفائدة والضرر، أو المنع والعطاء أو كلها مجمعة.

وعلى هذا تكون معنى “الطاعة” هي تنفيذ أمر الآمر (بالفعل أو الترك) محبةً أو ذلاً أو رغبة أو رهبة أو إكراهاً أو رِضى أو ذلك كله، بينما “الاتباع” لا يكون فيه إجبار وإكراه.
و”الطاعة” بالمفهوم الشرعي هي نوع من “العبادة” تتعلق بالاستجابة لأمر الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم (فعلاً أو تركاً)، وطاعة من أمر بطاعته في المعروف.

والطاعة بمعنى “العبادة” هي المقصودة في هذا البحث.

طاعة الله ورسوله أصل، وطاعة غيرهما تبَع

توحيد الطاعة هو إفراد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة وجعل طاعة ما سواهما تبعاً لطاعتهما.

وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(النساء:59) فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلاماً بأن طاعة الرسول تجب استقلالا من غير عرض ما أمر به على الكتاب؛ بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه؛ فإنه أوتي الكتاب ومثله معه.

ولم يأمر بطاعة أولي الأمر استقلالاً؛ بل حذَف الفعل وجعل طاعتهم في ضمن طاعة الرسول إيذاناً بأنهم إنما يُطاعون تبعاً لطاعة الرسول؛ فمن أمر منهم بطاعة الرسول وجبت طاعته، ومن أمر بخلاف ما جاء به الرسول فلا سمع له ولا طاعة.

كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». (4رواه أحمد (20653) وصححه الألباني في المشكاة (3696)) وقال: «إنما الطاعة في المعروف». (5البخاري (7257)، مسلم (1840)) وقال في ولاة الأمور: «من أمركم منهم بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة». (6أحمد (11639) وحسنه الألباني في صحيح بن ماجه (2312)(7اعلام الموقعين1 /38، 39)

وهي واجبة وجوباً عينياً على كل مكلف.

يقول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ(آل عمران:32)

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(آل عمران:132)

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ(النساء:64)

﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا(النساء:80)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ(محمد:33)

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(الأنفال:1)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ(الأنفال:20)

تعريف شرك الطاعة والاتباع

مما سبق بيانه من التعريفات يمكن تعريف “شرك الطاعة والاتباع” بأنه:

“مساواة غير الله بالله تعالى في التشريع والحكم والطاعة والانقياد؛ فكل من أطاع مخلوقاً في تحريم الحلال أو تحليل الحرام، عالماً بذلك؛ فقد وقع في شرك الطاعة والاتباع”.

[اقرأ المزيد: قاعدة الإسلام عبر الرسالات]

الشرك في الطاعة والاتباع نوعٌ من أنواع الشرك في العبادة

كثيرا ما يرد في القرآن ذكر “عبادة غير الله عز وجل” ويراد به الطاعة والاتباع، وكثيرا ما يرد ذكر “الشرك بالله عز وجل” ويراد به شرك الطاعة والاتباع.

ويوضح الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى هذه المسألة أتم توضيح سارداً الأدلة على ذلك. يقول رحمه الله تعالى:

ثم قال تعالى ـ وهو الشاهد ـ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(الأنعام:121) أي إن اتبعتموهم في ذلك النظام الذي وضعه الشيطان لأتباعه وأقام دليلاً من وحيه عليه ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ بالله، متخذون من اتبعتم تشريعه رباً غير الله.

وهذا الشرك في قوله ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وهو الشرك الأكبر المخرج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين.

وهو الذي أشار الله إليه في قوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ(النحل:100).

وهو الذي صرح به الشيطان في خطبته يوم القيامة المذكورة في قوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ(إبراهيم: 22).

وهو المراد ـ على أصح التفسيرين ـ في قوله: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ(سبأ:41) يعبدون الشياطين باتباعهم أنظمتهم وتشريعاتهم على ألسنة الكفار.
وهو الذي نهى عنه إبراهيم أباه ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ(مريم:44) أي: باتباع ما يقرر لك من نظام الكفر والمعاصي مخالفاً لشرع الله الذي أنزله على رسله.

وهذه العبادة بعينها هي التي وبّخ الله مرتكبها، وبيّن مصيره الأخير في سورة يس في قوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ(يس:60) ما عبدوه بسجود ولا ركوع؛ وإنما عبدوه باتباع نظام وتشريع وقانون شرع لهم أموراً غير ما شرعه الله فاتبعوه وتركوا ما شرع الله؛ فعبدوه بذلك واتخذوه رباً، كما بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه فهذا أمر لا شك فيه..

وهو المراد بقوله: ﴿وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا(النساء:117) يعني: مايعبدون إلا شيطاناً مريداً أي: عبادة اتباع نظام وتشريع). (8العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير 3/ 442، 443 جمع وتحقيق خالد السبت)

الفرق بين شرك “الطاعة والاتباع” وشرك “التأله والتنسك”

ومع أن طاعة غير الله تعالى واتباعه في ما لم يشرعه الله عز وجل نوع من أنواع الشرك الناقض للتوحيد، إلا أن بينه وبين شرك النسك وأعمال التألّه فرقا في حكم مرتكبها.

فبينما يكون الشرك في أي عمل من أعمال التألّه مثل الصلاة والصوم والحج والذبح والنذر والدعاء وما شابهها من العبادات شركاً أكبر يخرج من الملة ولا يشترط فيه الاستحلال؛ إلا أن الأنواع الأخرى من أعمال الطاعة والاتباع فيها تفصيل..

فمنها ما هو شرك أكبر كمن يعتقد الطاعة المطلقة لمخلوق غير الرسول صلى الله عليه وسلم أو يطيعه في تشريع ما لم يأذن به الله تعالى عالماً مختاراً.

ومنها ما يكون معصية إذا كانت الطاعة عن شهوة وهوى لا عن استحلال.

بل إن من أعمال الطاعة والاتباع ما هو مشروع في حق البشر كطاعة الوالدين وطاعة الزوج وطاعة الإمام الشرعي في غير معصية الله.

ذكر الآيات الواردة في بيان شرك الطاعة والاتباع والتحذير منه

أوضح كتاب الله تعالى أصل الدين ومعانيه وأركانه أوضح بيان، بألفاظه ومعانيه، وصرّف تعالى الآيات وكرر المعاني على وجوه شتى ليفهمها عبيده.. ونذكر بعض الآيات ومعانيها وشروح المفسرين في بيان هذا النوع من الشرك

الآية الأولى: الطاعة في التشريع شرك

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(الأنعام:121).

قال ابن كثير رحمه الله في هذه الآية:

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره فهذا هو الشرك. (9تفسير ابن كثير 3/324 ت. سامي سلامه)

وقال الشنقيطي رحمه الله:

ويُفهم من هذه الآيات بوضوح لا لبْس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤْثرا له على ما جاءت به الرسل، فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا، وإن سمى اتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء؛ لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها كما هو معلوم. (10أضواء البيان 1/ 307)

وقال رحمه الله:

فهي فتوى سماويه من الخالق ـ جل وعلا ـ صرحّ فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لشرع الرحمن مشرك بالله.(11أضواء البيان 7/ 54)

وقال رحمه الله:

فهو قسَم من الله جل وعلا؛ أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين. (12أضواء البيان 3/ 41)

وقال رحمه الله:

فصرّح بأنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ(يس:61-62). (13أضواء البيان 3/ 259)

وقال القاسمي رحمه الله:

قال الزجاج: في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ دليل على أن كل من أحل شيئا مما حرم الله تعالى، أو حرم شيئا مما أحل الله تعالى فهو مشرك. وإنما سُمي مشركا لأنه أثبت حاكما سوى الله تعالى وهذا هو الشرك .. انتهى. (14محاسن التأويل 4/ 483)

الآية الثانية: المشرعون شركاء معبودون

قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(الأنعام:137).

يقول الشيخ محمد رشيد رضا عند هذه الآية:

هذا حكم آخر مما كانوا عليه من أعمال الشرك التي لا يستحسنها عقل، ولم تستند إلى شرع إلهي قويم، أي ومثل ذلك التزيين لقسمة القرابين من الحرث والأنعام بيْن الله تعالى وبين آلهته،م زيَّن لكثير من المشركين شركاؤهم قتل أولادهم.

فأما الشركاء هنا فقيل: هم سدنة الآلهة وخدمها.

وقيل: بل هم الشياطين الذين يوسوسون لهم ما يزيّن ذلك في أنفسهم.

وإنما سمي كل منهما شريكاً لأنه يُطاع ويدان له فيما لا يطاع به إلا الله تعالى. (15تفسير المنار 8/ 108)

[اقرأ المزيد: تعددت الأصنام والشرك واحد]

ويقول سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية:

وكما زين الشركاء والشياطين لهم ذلك التصرف في أموالهم كذلك زينوا لهم قتل أولادهم.. وذلك ما كانوا يفعلونه من وأْد البنات خشية الإملاق ـ أو خشية السبي والعار ـ ومن قتل بعض الأبناء في النذر للآلهة كالذي روي عن عبد المطلب من نذره ذبح أحد ولده، إن رزقه الله بعشرة منهم يحمونه ويمنعونه!

وظاهِرٌ أن هذا وذاك كان يوحِي به عرفُ الجاهلية. العرف الذي وضعه الناس للناس. والشركاء المذكورون هنا هم شياطين الإنس والجن.. من الكهنة والسدنة والرؤساء من الإنس، ومن القرناء الموسوسين من الجن، بالتعاون والموالاة فيما بينهم.

والنص يصرح بالهدف الكامن وراء التزيين: ﴿لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ليهلكوهم وليجعلوا دينهم عليهم ملتبسا غامضا لا يقفون منه على تصور واضح..

فأما الهلاك فيتمثل ابتداء في قتلهم لأولادهم، ويتمثل أخيرا في فساد الحياة الاجتماعية بجملتها، وصيرورة الناس ماشيةً ضالةً يوجهها رعاتها المفسدون حيثما شاءوا، وفْق أهوائهم ومصالحهم! حتى ليتحكمون في أنفسهم وأولادهم وأموالهم بالقتل والهلاك، فلا تجد هذه الغنم الضالّة لها مفرّا من الخضوع؛ لأن التصورات المتلبسة بالدين والعقيدة ـ وما هي منها ـ بكل ثقلها وعمقها، تتعاون مع العرف الاجتماعي المنبثق منها، وتنشئ ثقلا ساحقا لا تقف له جماهير الناس. ما لم تعتصم منه بدين واضح، وما لم ترجع في أمرها كله إلى ميزان ثابت.

وهذه التصورات المبهمة الغامضة، وهذا العرف الاجتماعي الذي ينبثق منها، ويضغط على جمهرة الناس بثقله الساحق.. لا ينحصر في تلك الصور التي عرفتها الجاهليات القديمة.

فنحن نشهده اليوم بصورة أوضح في الجاهليات الحديثة.. هذه العادات والتقاليد التي تكلف الناس العنت الشديد في حياتهم، ثم لا يجدون لأنفسهم منها مفرا.. هذه الأزياء والمراسم التي تفرض نفسها على الناس فرضا، وتكلفهم أحيانا ما لا يطيقون من النفقة، وتأكل حياتهم واهتماماتهم، ثم تفسد أخلاقهم وحياتهم.

ومع ذلك لا يملكون إلا الخضوع لها.. أزياء الصباح، وأزياء بعد الظهر، وأزياء المساء.. الأزياء القصيرة، والأزياء الضيقة، والأزياء المضحكة! وأنواع الزينة والتجميل والتصفيف… إلى آخر هذا الاسترقاق المذل.. مَن الذي يصنعه ومن الذي يقف وراءه؟

تقف وراءه بيوت الأزياء. وتقف وراءه شركات الإنتاج! ويقف وراءه المرابون في بيوت المال والبنوك من الذين يعطون أموالهم للصناعات ليأخذوا هم حصيلة كدها! ويقف وراءه اليهود الذين يعملون لتدمير البشرية كلها ليحكموها..!

ولكنهم لا يقفون بالسلاح الظاهر والجند المكشوف، إنما يقفون بالتصورات والقيم التي ينشئونها، ويؤصّلونها بنظريات وثقافات ويطلقونها تضغط على الناس في صورة “عرف اجتماعي”؛ فهم يعلمون أن النظريات وحدها لا تكفي ما لم تتمثل في أنظمة حكم، وأوضاع مجتمع، وفي عرف اجتماعي غامض لا يناقشه الناس، لأنه ملتبس عليهم متشابكةٌ جذوره وفروعه !

إنه فعل الشياطين .. شياطين الإنس والجن .. وإنها الجاهلية تختلف أشكالها وصورها، وتتحد جذورها ومنابعها، وتتماثل قوائمها وقواعدها..

وإننا لنبخس القرآن قدره، إذا نحن قرأناه وفهمناه على أنه حديث عن جاهليات كانت! إنما هو حديث عن شتى الجاهليات في كل أعصار الحياة. ومواجهة للواقع المنحرف دائما ورده إلى صراط الله المستقيم. (16في ظلال القرآن 3/ 1219)

خاتمة

تلك حقائق في العقيدة الإسلامية؛ تقتضي أن يكون التوجه بالعبادة خالصا لله تعالى وحده، وتلقي الشرائع منه وحده؛ لأن تلقي الشرائع توجه بالطاعة لله وحده. وهذا لتستقيم الحياة وفق ما أنزل الله، ولئلا ينازع منازع في كل أمر ونهي لله؛ بل ليتلقى امرؤ مؤمن أمر ربه بالإطمئنان والتسليم.

……………………………………

الهوامش:

  1. لسان العرب 8/ 240.
  2. تهذيب اللغة 1 /341، 342.
  3. القاموس المحيط 1 /744.
  4. رواه أحمد (20653) وصححه الألباني في المشكاة (3696).
  5. البخاري (7257)، مسلم (1840).
  6. أحمد (11639) وحسنه الألباني في صحيح بن ماجه (2312).
  7. اعلام الموقعين1 /38، 39.
  8. العذب المنير من مجالس الشنقيطي في التفسير 3/ 442، 443 جمع وتحقيق خالد السبت.
  9. تفسير ابن كثير 3/324 ت. سامي سلامه.
  10. أضواء البيان 1/ 307.
  11. أضواء البيان 7/ 54.
  12. أضواء البيان 3/ 41.
  13. أضواء البيان 3/ 259.
  14. محاسن التأويل 4/ 483.
  15. تفسير المنار 8/ 108.
  16. في ظلال القرآن 3/ 1219.

لتحميل الدراسة كاملة على الرابط التالي:

اقرأ أيضا:

Leave a Reply

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد