”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ .. (4-6)

زمن القراءة ~ 3 دقيقة

ثمة علاقة بين الانحراف في قبول التشريع من الله وولاية غيره تعالى؛ فللكافرين من التأثير على المسلم لزحزحته عن دينه. كما أن ثمة فارق بين الطاعة في التشريع وما دونها من المعاصي.

مقدمة

بعد إيضاح خطورة شرك الطاعة في الدارين الجزء الأول، وبيان معنى الطاعة والاتباع والفروق المهمة الجزء الثاني وبيان الآيات الدالة على شرك التشريع وتسويته بشرك النسك والتألّه الجزء الثالث..

يوضح الكاتب هنا مسألتين كبيرتين، وهما التلازم بين شرك الطاعة وشرك المحبة، وبيان متى تكون الطاعة شركا، ومتى تكون معصية وضابط ذلك.

ارتباط شرك الطاعة والاتباع بشرك المحبة والولاء

هناك ارتباط وثيق وتلازم شديد بين شرك الطاعة والاتباع، وبين شرك المحبة والولاء.

حيث أن عامل المحبة عامل مشترك بين الطاعة والولاء؛ لأن المحبة والولاء يستلزمان الطاعة والاتباع؛ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(آل عمران:31).

وبالنظر إلى قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ(المائدة: 50) نجد الآية التي تليها مباشرة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(المائدة51).

وفي هذا إشارة إلى أن الحكم بحكم الجاهلية مما عند اليهود والنصارى من تشريعات باطلة ومحرفة أو منسوخة هو ضرب من ضروب الولاء والمحبة لهم التي يرتد بها صاحبها عن دين الإسلام، ولذلك ذكر الله عز وجل بعدها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ…﴾ الآية. (المائدة:54)

ومن الآيات في كتاب الله عز وجل التي يظهر فيها التلازم بين المحبة وبين الطاعة والاتباع قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(البقرة:165 – 167).

أصنام الوطنية والقومية

ومن أخطر الأصنام المعاصرة التي تُعبد اليوم من دون الله تعالى حباً وولاءً وطاعة صنم الوطنية والقومية، وذلك بعقد الولاء والحب والطاعة عليها وليس على توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة.

والمناداة بالقومية والوطنية أو الإنسانية واتخاذ ذلك ذريعة لإقامة وطن لا تحكم فيه شريعة الله ولا تتبعه؛ هو في الحقيقة جعْل لهذه الرايات أرباباً تعبد من دون الله، طاعةً ومحبةً وولاءً، سواء من يرفع هذه الراية أو يرضى بها.

لأن الأول يُصدر باسمها تشريعات تحلل وتحرم ما لم يأذن به الله عز وجل، والراضي بها يتلقى منها ويطيعها مُعرضاً عن طاعة الله تعالى والتلقي عن رسوله صلى الله عليه وسلم.

وبذلك يظهر الارتباط بين شركي الطاعة والاتباع وشرك المحبة والولاء وأن أحدهما مستلزم للآخر.

ولذلك فإن أي شرك في أحدهما مستلزم الشرك في الآخر.

متى تكون طاعة المخلوق شركاً مخرجاً من الملة

لا بد من بيان “متى تكون الطاعة المبذولة لمخلوق شركاً مخرجاً من الملة”، ومتى تكون معصية لئلا يكون هناك غلو ولا تقصير عما أمر الله تعالى..

والجواب قد قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وذلك عند قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ حيث قال:

وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً ـ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله ـ يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل؛ فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل؛ فهذا كفر. وقد جعله الله ورسوله شركاً وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم؛ فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين، واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله؛ مشركاً مثل هؤلاء.

الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحلال وتحريم الحرام ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب”. (1مجموع الفتاوى 7/ 66، 67)

وعن هؤلاء الذين أطاعوا كبراءهم في تبديل الدين يقول الله عز وجل واصفاً حسرتهم يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا(الأحزاب 66-67).

خاتمة .. ضابط شرك الطاعة والاتباع

وخلاصة القول في ضابط شرك الطاعة والاتباع أن يقال :

المشرك في الطاعة هو كل من أطاع مخلوقاً في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله عز وجل، عالماً بذلك، وكل من أطاع مخلوقاً في ارتكاب ما هو معلوم من الدين ضرورة أنه شرك أكبر ولو لم يستحل ذلك؛ حيث أن مجرد الوقوع في الشرك الأكبر طاعةً لمخلوق واتباعاً له؛ هو في ذاته شرك ولو لم يستحل.

بخلاف الطاعة فيما دون الشرك.

فلا بد أن يكون المطيع مستحلاً لما استحله متبوعُه ومُطاعه، أما لو أطاعه غير مستحل لما يفعله وإنما عن هوى وشهوة؛ فهو من جنس الذنوب والمعاصي التي يأثم صاحبها.

ففعْل المعصية لا يكفر مرتكبها إلا اذا استحلها بينما الشرك الأكبر يكفر مرتكبه ولو لم يستحله.

…………………………………

هوامش:

  1. مجموع الفتاوى 7/ 66، 67.

لتحميل الدراسة كاملة على الرابط التالي:

اقرأ أيضا:

1.5 2 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

[yikes-mailchimp form="1"]

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت